التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٩ - آية القصاص
الذي وضع عليه النظم الحكيم في القرآن الكريم.[١]
آية القصاص
كانت العرب تعرف مالهذه اللفظة (القصاص) من مفهوم خاص: «قَتْلُ من عَدى على غيره فقتله بغير حقّ». وكانت تعرف مالهذه العقوبة (مقابلة المعتدي بمثل ما اعتدى) من أثر بالغ في ضمان الحياة العامّة.
لكنّها عندما عمدت إلى وضع قانون يحدّ من جريمة القتل، ويضمن للناس حياتهم، وليكون رادعا لمن أراد الإجرام- فأزمعت بكلّيتها على وضع عبارة موجزة وافية بهذا المقصود الجلل وأجمعت آراؤهم على عقد الجملة التالية: «القتل أنفى للقتل»- غفلت عن لفظة «القصاص» واستعملت كلمة «القتل» مكانها، ذهولًا عن أنّها لاتفي بتمام المقصود، وهم بصدد الإيفاء والإيجاز.
ذلك أنّ الذي يحدّ من الإجرام على النفوس ويحقن دماء الأبرياء هو فرض عقوبة القصاص، وهو قتل خاص، وليس مطلق القتل بالذي يؤثّر في منعه، بل ربما أوجب قتلات إذا لم يكن قصاصا.
ومع الإحاطة بهذه المزايا في لفظ «القصاص» جاء قوله تعالى: «وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ»[٢] تعبيرا تامّا وافيا بالمقصود تمام الوفاء. بل وفيها زيادة مزايا شرحها أرباب الأدب والتفسير.
قال سيّدنا الطباطبائى- طاب ثراه-: إنّ هذه الآية- على اختصارها وإيجازها، وقلّة حروفها، وسلاسة لفظها، وصفاء تركيبها- لهي من أبلغ التعابير وأرقى الكلمات. فهي جامعة بين قوّة الاستدلال وجمال المعنى ولطفه، ورقّة الدلالة وظهور المدلول.
وقد كان للبلغاء قبلها كلمات و تعابير في وضع قانون القصاص، كانت تعجبهم بلاغتها وجزالة اسلوبها، كقولهم: «قتل البعض إحياء للجميع». وقولهم: «أكثروا القتل ليقلّ
[١] - النبأ العظيم، ص ١٢٩-. ١٣٠.
[٢] - البقرة ١٧٩: ٢.