التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥١٧ - المقصد الثاني في تتميم القول في تحقيق الحق من طريق آخر
لاتشعرون، غاية الأمر أن تتوقّفوا في أمره حتّى يتبيّن لكم حقيقته أو بطلانه، فلا تنهوا الناس عنه حتّى يظهر لكم حقيقة الأمر فيه. بل نقول: صراحة الأخبار الواردة في الطرفين لاتبقي اشتباها في هذا الأمر، فإن كنتم في شكّ في أمرها فاسألوا أهل الذكر حتّى تعلموا ما هو الحقّ.
وكيف يمكن أن يقبل منكم أنّكم محتاطون وأكثركم يمنع التغنّي في الأعراس مع ورود النصّ على شريعته هناك، ويعاضده العقل أيضا، من جملته حدوث ميل العزّاب إلى النكاح المرغب فيه المؤدّي إلى حفظ النوع والنسب والتجنّب عن السفاح والعطب.
وأمّا ماجوّزه بعض الفقهاء فيها فقط فهو تخصيص من غير مخصّص بورود الأحاديث في شريعته في غيرها أيضا، ولو فرضنا عدم النصّ على شرعيته في غيرها لايتّجه التخصيص المذكور لأنّ خصوص السبب لايخصّص المسبّب[١] ولو تمسّك بالوقوف على موضع النصّ والاقتصار عليه.
قلنا: الوقوف والاقتصار إنّما يجوز إذا كان المنصوص عليه مخالفا لأصل من الاصول، وقد عرفت خلافه. وبالجملة، أمثال هذه الجسارات تشريع محض وتحريم لما أصّله اللّه. ونبيّنا صلى الله عليه و آله مع جلالة شأنه وكونه سيّد الرسل وحبيب إله العالمين، لمّا حرّم على نفسه ما حرّم لما جرى بينه وبين بعض أزواجه شدّد اللّه عليه النكير بقوله عزّ من قائل «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ» الآية[٢] فكيف يكون معاملته مع من حرّم على غيره ما أحلّ اللّه له متقوّلًا عليه تعالى، وقد قال عزّ من قائل: «وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ. لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ. ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ. فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ»[٣] فإذا كانت معاملته تعالى مع نبيّه المعلّى على هذا التقدير هكذا فما ظنّك بمعاملته مع غيره. وهذا ابنطاووس مع علوّ قدره في سائر العلوم لاسيّما العلوم النقلية لمّا تدبّر في هذه الآية سلك مسلك الاحتياط واجتنب عن التصنيف في علم الفقه لئلّا يكون من المتقوّلين على
[١] - في هذه العبارة إيماء لطيف لايخفى على متتبّعي علم المعاني المؤلف.
[٢] - التحريم ١: ٦٦.
[٣] - الحاقّة ٤٤: ٦٩- ٤٧.