التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٠٤ - علم الموسيقى
أجزائها، ولا تتحقّق الأجزاء إلّا بالترجيع، وقد ذكرنا شطرا من هذا الإيضاح والتبيين، وهو واضح بحمد اللّه تعالى، ويدلّ عليه حديث أبي بصير فإنّه صريح في أنّ الصوت الحسن ترجيع مطرب، وسيأتي ذكره.
وأمّا الظاهريّون من المتفقّهة والمقتصرون على تعلّم الفروع وجدوا في الأخبار الحضّ على قراءة القرآن بالصوت الحسن وذمّ قراءته بالغناء، ووجدوا أحاديثا في ذمّ الغناء وزعموا أنّ الغناء المنهيّ عنه بالمعنى اللغوي، وهو يشتمل على ترجيع الصوت.
فزعموا أنّ كلّ صوت مترجّع مطرب حرام، فلابدّ أن يكون الصوت الحسن خاليا عن الترجيع، وتحيّروا في أمره ولم يهتدوا إليه سبيلًا، وهذا ظنٌّ فاسد كما عرفت وستعرف.
ولذا إذا سئلوا عن شرح اسم الصوت الحسن يتبلبلون فيبيانه، فتارةً يقرأون آية من القرآن ويقولون هذا الصوت الحسن بعد اللتيا والتي ولم يعرفوا أنّ شرح الاسم يفيد مفهوما كلّيا وصوتهم هذا أمر شخصي وعيني وبينهما بون بعيد، وتارةً يقولون مايستحسنه الطباع من غير ترجيع وقد عرفت أنّ الصوت الخالي عن الترجيع لايتّصف بالحسن، وتارةً يدّعون البداهة في أمره ولم يعلموا أنّ البداهة والنظر ممّا يتعلّق بالمعاني وشرح الاسم ممّا يتعلّق بالألفاظ.
بحث لغوي: الغناء لغةً تطريب الصوت، والطرب الفرح والحزن أو سببهما، فهو من لغة الأضداد نصّ عليه في القاموس، وخصّصه بعضهم بالفرح واستضعفه فيه، وقال بعض الفضلاء: ومن العامّة من فسّره بتحسين الصوت، ويظهر ذلك من بعض عبارات أهل اللغة (انتهى).
وفسّر بنفس الترجيع المطرب وهو وما في القاموس واحد بالمآل، ويلزمهما ما نقله بعض الفضلاء لأنّ الصوت المطرب بكلا معنييه لا ينفكّ عن الحسن وهو لا ينفكّ عن الترجيع لما عرفت في المسألة الفلسفية، فكلّ صوت مرجّع مطرب يكون غناءً بحسب اللغة، وجميع النغمات والألحان التي يبحث عنها في علم الموسيقى غناء بحسب اللغة، لصدق الحدّ اللغوي عليها، سواء كانت من الملهيات أو لا، وسواء كانت مختصّة بطائفة