التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٠٠ - أما المقدمة ففي بيان مسائل من العلوم المتفرقة لتوقف البيان عليها
أمّا المقدّمة ففي بيان مسائل من العلوم المتفرّقة لتوقّف البيان عليها
بحث أُصولي: لايجوز استعمال اللفظ المشترك إذا كان مفردا في أكثر من معنى، فلايجوز أن يقال: رأيت عينا ويراد منه الباصرة والذهب، وذلك لأنّ المفرد بصيغته يدلّ على وحدة الموضوع له مطلقا سواء كان نوعيا أو شخصيا، وإلّا لم يكن بينه وبين التثنية والجمع فرق، فلو دلّ على أكثر من معنى واحد لكان دالًاّ على خلاف مقتضى وضعه، وذلك محال لامتناع كون دلالة هذه على معانيها إلّا بحسب الوضع لكونها وضعية.
وأمّا ماذهب إليه بعض الفضلاء- من جوازه بطريق المجاز دون الحقيقة، وتوهّم أنّ علاقة التجوّز ثابتة بينهما، وهي علاقة الكلّ والجزء، والكلّ عبارة عن كلّ واحد من المعاني من حيث إنّه وحده، والجزء عبارة عن كلّ واحد بشرط إلغاء قيد الوحدة- ففي غاية السقوط لأنّه إن أراد به أنّ اللفظ الموضوع لكلّ واحد منها وحده أنّه بحسب هذا الوضع موضوع لهذا المعنى دون غيره فهو مسلّم، لكن لايلزم منه أن يكون مفهوما دون غيره أو مايلازمه، أعني وحدة جزء من المعنى الموضوع له. وإن أراد أنّ الواضع وضع هذا اللفظ بإزاء مجموع هذين المعنيين فهو ممنوع، والوجدان يحكم بخلافه، إذ يكفي للوضع ملاحظة الواضع معنى الموضوع له من غير تعرّض لما سواه فضلًا عن أن يجعله جزءا لمفهوم اللفظ، ويلزم على هذا أن لايكون لفظ موضوعا لمعنى بسيط إذ كلّ معنى يكون مقيّدا بهذا القيد حتى النقطة والوحدة، وأيضا يجب أن يدلّ كلّ لفظ على معنى الوحدة دلالة تضمّنية كدلالة لفظ الإنسان على الحيوان فقط، حتى لفظ الواحدة على الوحدة الظاهر أنّه ليس كذلك، وأيضا من أين علم هذا القائل أنّ كلّ من وضع لفظا بإزاء معنى اعتبره مع قيد الوحدة، وجعله موضوعا له لهذا اللفظ.
فإن قيل: أليس الواضع وضع هذا اللفظ لهذا المعنى فقط فصدق قول القائل إنّه وضع لهذا المعنى المقيّد بقيد الوحدة، قلنا: يتحقّق صدق وضعه لهذا المعنى فقط بعدم وضعه إيّاه لمعنى آخر، لابوضعه لهذا المعنى المقيّد بقيد أن لايكون معه آخر، وهو ظاهر.