التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٤٧ - ما يسد مسد القسم
من الكلام المؤكّد والذي سدّ مسدّ القسم ما هو أبلغ في التوكيد وأوفاه، ومن ثمّ كان قوله: «ليجمعنّكم ...» مقسما عليه ومصدّرا بلام الجواب.
قال أبو حيّان: وهذه الجملة مقسم عليها[١] كأنّه قال: واللّه ليجمعنّكم.
و هكذا قوله تعالى: «حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ»[٢]، قسم بمعنى «قطعا» أو «يقينا».
قال الزمخشري: أراد أن يحلفوا له باللّه ... وإنّما جعل الحلف باللّه موثقا منه، لأنّ الحلف به ممّا تؤكّد به العهود وتشدَّد ... وقوله:
«لَتَأْتُنَّنِي بِهِ» جواب اليمين، لأنّ المعنى: حتى تحلفوا لتأتنّني به.[٣]
وقولهتعالى: «وَ لَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى»[٤]. «إِنْ» هنا نافية، تصدّرت جواب القسم. ولذلك جاءهم الردع المؤكّدبالقسم أيضا: «وَ اللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ»[٥]. قسماباللّهصريحا.
و كذا كلّ كلام القي بصورة تأكيد بليغ، كان حكمه حكم القسم، فيتلقّى بما يتلقّى القسم، كما في الالتزام بنذر أو عهد أو ميثاق.
نحو: «للّه عليّ كذا لأفعلنّ». وقولك: «عاهدت اللّه لأفعلنّ» أو «عليّ عهد اللّه أو ميثاقه لأقومنّ» ...[٦]
و «كلّا» حرف ردع، كثيرا مّا يسدّ مسدّ القسم في إفادة التأكيد المغلّظ، قال تعالى: «كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ»[٧]. «كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ»[٨]. «كَلَّا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ»[٩]. «كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ»[١٠]. «كَلَّا لا وَزَرَ»[١١] إلى غيرها من آيات، كان قد تلقّي فيها الكلام تلقّي القسم ...[١٢]
[١] - تفسير البحر المحيط، ج ٤، ص ٨٢.
[٢] - يوسف ٦٦: ١٢.
[٣] - الكشاف: ج ٢، ص ٤٨٧. وهكذا ذكر الزمخشري في الآية ٨١، من سورة آل عمران. الكشاف، ج ١، ص ٣٧٩، وسنذكرها عند الكلام عن اللام الموطئة.
[٤] - التوبة ١٠٧: ٩.
[٥] - الآية.
[٦] - راجع: شرح الكافية، ج ٢، ص ٣٤١.
[٧] - الهمزة ٤: ١٠٤.
[٨] - المطفّفين ١٥: ٨٣.
[٩] - المطفّفين ٧: ٨٣.
[١٠] - المطفّفين ١٨: ٨٣.
[١١] - القيامة ١١: ٧٥.
[١٢] - شرح الكافية، ج ٢، ص ٣٤١.