التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٩٣ - إيجاز قصر
فمن ذلك قوله صلى الله عليه و آله: حلالٌ بيّن، وحرامٌ بيّن، وبينهما شبهات.[١]
وهذا من أجمع الأحاديث للمعاني الكثيرة. وذلك أنّه يشتمل على جلّ الأحكام الشرعية، فإنّ الحلال والحرام إمّا أن يكون الحكم فيهما بيّنا لاخلاف فيه بين العلماء، وإمّا أن يكون خافيا يتجاذبه وجوه التأويلات، فكلّ منهم يذهب فيه مذهبا.
وكذلك جاء قوله صلى الله عليه و آله: الأعمال بالنيّات، وإنّما لكلّ امرئٍ مانوى[٢] هو من جوامع الكلم ومن غرر الكلام.
قال ابن الأثير: وممّا أطربني من ذلك حديث الحديبية، وهو أنّه جاء بديل بنورقاء إلى النبي صلى الله عليه و آله فقال: إنّي تركت كعب بن لؤي، معهم العوذ المطافيل[٣] وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت.
فقال له النبي صلى الله عليه و آله: إنّ قريشا قد نهكتهم الحرب، فإن شاؤوا ماددناهم مدّة، ويدعوا بيني وبين الناس، فإن أَظهَرْ عليهم وأحبّوا أن يدخلوا فيما دخل الناس، وإلّا كانوا قد جمّوا، وإن أبوا، فوالذي نفسي بيده لُاقاتلَنّهم على أمري هذا، حتى تنفرد سالفتي هذه، ولينفذنّ اللّه أمره.
هذا الحديث من جوامع الكلم وهو من الفصاحة والبلاغة على غاية لاينتهي إليها وصف الواصفين.[٤]
وذكر الشريف الرضي في نهجالبلاغة عن مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام كلامه التالي:
الحَجَر الغصيب في الدار رهنٌ على خرابها.[٥]
ثمّ قال: ويروى هذا الكلام عن النبي صلى الله عليه و آله، ولا عجب أن يشتبه الكلامان لأنّ مستقاهما من قليب ومفرغهما من ذَنوب.
فلنذكر من جلائل كلامه عليه السلام نتفا:
[١] - عوالي اللئالي، ج ١، ص ٨٩.
[٢] - المصدر، ص ٨١ و ٣٨٠.
[٣] - العوذ: الحديثات النتاج من الظباء وكلّ انثى. والمطافيل: جمع مُطفل بمعنى من يصحب معه طفله.
[٤] - المثل السائر، ج ٢، ص ٣٤١- ٣٤٢.
[٥] - الكلمة رقم ٢٤٠، ص ٥١٠.