التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٩٢ - إيجاز قصر
البلغاء إلّا شاذّا نادرا. قال ابن الأثير: والقرآن الكريم ملآن منه.[١]
قال تعالى: «خُذِ الْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ».[٢] فقد جمعت الآية جميع مكارم الأخلاق والقصد في السلوك الذي هو الصراط المستقيم في الحياة.
وهذا شأن جلّ آيات الذكر الحكيم، وإن كان قد يرتقى شأن البلاغة في بعضها أوجها فوق أطباق السماء، وقد يتنزّل بعضها إلى آفاق قريبة من متفاهم الأعراف، «وَ قُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَ نَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا».[٣] «إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ».[٤] ومن ثمّ قال رسولاللّه صلى الله عليه و آله: مَن شاء يرتع رياض الأنائق فعليه بآل حم.
ومنه قوله تعالى: «وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ».[٥] إذ لايمكن التعبير عنه إلّا بألفاظ كثيرة- على ماعرفت في كلام مسبق-.
قال ابن الأثير: ولا يلتفت إلى ماورد عن العرب: «القتل أنفى للقتل». فإنّ من لايعلم يظنّ أنّ هذا على وزن الآية، وليس كذلك. بل بينهما فرق من ثلاثة أوجه:
الأوّل: أنّ «الْقِصاصِ حَياةٌ» لفظتان. و «القتل أنفى للقتل» ثلاثة ألفاظ.
الثاني: أنّ في قولهم تكريرا، ليس في الآية.
الثالث: أنّه ليس كلّ قتل نافيا للقتل، إلّا إذا كان على حكم القَصاص.
و قد صاغ أبو تمام هذا المعنى الوارد عن العرب في بعض بيت من شعره:
|
وأخافكم كي تغمدوا أسيافكم |
إنّ الدم المعترّ يحرسه الدم |
|
فإنّ قوله: «إنّ الدم المعترّ يحرسه الدم» أحسن ممّا ورد عن العرب.[٦] والدم المعترّ:
النفس المهدّدة المضطربة تخاف هدرها.
*** و قد ورد في الأخبار النبوية من هذا الضرب (من الإيجاز البليغ) شيء كثير. وإليك نماذج منه:
[١] - المصدر، ص ٣٣٣ و ٣٤٨ و ٣٥٢.
[٢] - الأعراف ١٩٩: ٧.
[٣] - الإسراء ١٠٦: ١٧.
[٤] - الزخرف ٣: ٤٣.
[٥] - البقرة ١٧٩: ٢.
[٦] - المثل السائر، ج ٢، ص ٣٥٢- ٣٥٣.