التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٩١ - إيجاز قصر
أسفله لمغدق، وما هو بقول البشر.[١]
ومن هذا النحو قوله تعالى: «وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَ نَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ. إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَ عَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ. ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ. وَ جاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ. وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ. وَ جاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَ شَهِيدٌ. لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ».[٢]
هذه الآيات من قوارع القرآن العجيبة- التي دلّت عل تخويفٍ وإرهاب- ترقّ له القلوب وتقشعرّ منه الجلود. وهي مشتملة على قصرها على حال الإنسان منذ خلقه إلى حين حشره وحشر غيره من الناس. وتصوير ذلك اليوم الرهيب والأمر الفظيع، في أسهل لفظ وأرقّ تعبير. وما مرّ عليه إنسان مكابد خطاياه إلّا تيقّظ عنده تيقّظا.
*** ومن هذا الضرب ورد عن النبي صلى الله عليه و آله فيدعائه لأبيسلمة[٣] عند موته: اللهمّ ارفع درجته في المهتدين، واخلفه في عقبه في الغابرين، لنا وله ياربّ العالمين.
وهذا دعاء جامع بين الإيجاز وبين مناسبة الحال التي وقع فيها. فأوّله مفتتح بالمهمّ الذي يفتقر إليه المدعوّ له في تلك الحال، وهو رفع درجته في الآخرة. وثانيه مردف بالمهمّ الذي يؤثره المدعو له من صلاح حال عقبه من بعده في الدنيا. وثالثه مختم بالجمع بين الداعي والمدعوّ له.
قال ابن الأثير: وهذا من الإيجاز البليغ الذي هو طباق ماتُقصَد له.[٤]
*** ومن الإيجاز بالقصر ما لايمكن التعبير عنه بمثل ألفاظه وفي عدّتها، لابل يستحيل ذلك عادة، وهو أعلى طبقات الإيجاز وأشرفها وأعزّها شأنا، ولا يوجد مثله في كلام
[١] - المثل السائر، ج ٢، ص ٣٣٥.
[٢] - ق ١٦: ٥٠- ٢٣.
[٣] - هو زوج ام سلمة رضياللّه عنها واسمه عبداللّه، وامّه برّة بنت عبدالمطلب. وكان ممّن هاجر الهجرتين. وجرح يوم أُحد، فمات منه سنة ثلاث من الهجرة.
[٤] - المثل السائر، ج ٢، ص ٣٣٧.