التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦٨ - حد الالتفات وفائدته
الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ. فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ».[١]
انظر إلى هذا الكرّ والفرّ، والاستطراد والرجوع، والمداورة العجيبة في الكلام. فقد بدأ الحديث بخطاب الجمع، وعاد إلى الغيبة في فصل طويل، ورجع أخيرا إلى مابدأ به أولًا، ولكن في صورة أعمّ وأشمل، فكأنّما الناس جميعا هم الحضور المخاطبون بهذا الكلام العام.
قال ابن الأثير: إنّما صرف الكلام هاهنا من الخطاب إلى الغيبة بهذا الشكل البديع لفائدة كبرى، هي: أنّه ذكر لغيرهم حالهم، ليعجّبهم منها كالمخبر لهم، ويستدعي منهم الإنكار عليهم. ولوقال: حتى إذا كنتم في الفلك وجَرين بكم ... الخ، وساق الخطاب معهم إلى آخر الآية لذهبت تلك الفائدة التي أنتجها خطاب الغيبة. وليس ذلك بخافٍ على نقدة الكلام.[٢]
وممّا ينحو هذا النحو قوله تعالى: «إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَ أَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ. وَ تَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ» ويستمرّ الحديث عنهم بخطاب الغيبة، وينتهي إلى قوله: «إِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ».[٣]
الأصل في «تَقَطَّعُوا» تقطّعتم، إلّا أنّه صرف الكلام من الخطاب إلى الغيبة على طريقة الالتفات، كأنّه ينعى عليهم ما أفسدوه إلى قوم آخرين، ويقبّح عندهم مافعلوه، ويقول لهم:
ألا ترون إلى عظيم ماارتكب هؤلاء في دين اللّه، فجعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعا! وذلك تمثيل لحالة اختلافهم في الدين، وتباينهم في معرفة الصلاح من الفساد، ثمّ توعّدهم أخيرا بأنّ المرجع إليه، وسوف يجازيهم على أعمالهم، وهو شديد العقاب.
وممّا يجري هذا المجرى قوله تعالى: «يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي
[١] - يونس ٢٢: ١٠- ٢٣.
[٢] - المثل السائر، ج ٢، ص ١٨١.
[٣] - الأنبياء ٩٢: ٢١- ٩٨.