التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦٧ - حد الالتفات وفائدته
الحكيم- ومن ثمّ عاد إلى الوصف بالعزّة والعلم توكيدا.
وأيضا ممّا ينخرط في هذا السلك العدول من خطاب النفس إلى خطاب الجماعة، كقوله تعالى: «وَ ما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ».[١]
وإنّما صرف الكلام عن خطاب نفسه إلى خطابهم لأنّه أبرز الكلام لهم في معرض المناصحة وهو يريد مناصحتهم ليتلطّف بهم ويداريهم، لأنّ ذلك أدخل في إمحاض النصح، حيث لايريد لهم إلّا مايريد لنفسه. فقد وضع «وَ ما لِيَ لا أَعْبُدُ ...» مكان: وما لكم لاتعبدون الذي فَطركم. بدليل «وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ». ولولا ذلك لقال: وإليه أرجع. وقد ساق الكلام ذلك المساق البديع إلى أن قال: «إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ».[٢]
فانظر أيّها المتأمّل إلى هذه النُكت الدقيقة التي تمرّ عليها في آيات الذكر الحكيم، وأنت تظنّ أنّك فهمت فحواها، واستنبطت مغزاها.
وعلى هذا الاسلوب يجري الحكم في الرجوع من خطاب النفس إلى خطاب الواحد، كقوله تعالى: «حم. وَ الْكِتابِ الْمُبِينِ. إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ. فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ. أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ. رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ».[٣]
وفائدة العدول في قوله «رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ» هو تخصيص النبي صلى الله عليه و آله بالذكر، وأنّه المقصود بالذات من هذا النزول.
قال: وإذا تأمّلت مطاوي القرآن الكريم وجدت فيه من هذا وأمثاله الشيء الكثير.
وإنّما اقتصرنا على هذه الأمثلة المختصرة ليقاس عليها مايجري على اسلوبها، فيتدبّر المتدبّرون.[٤]
*** وأمّا الرجوع من الخطاب إلى الغيبة، فكقوله تعالى: «هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَ جَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَ فَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَ جاءَهُمُ
[١] - يس ٢٢: ٣٦.
[٢] - يس ٢٥: ٣٦.
[٣] - الدخان ١: ٤٤- ٦.
[٤] - المثل السائر، ج ٢، ص ١٧٨.