التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦٦ - حد الالتفات وفائدته
ثمّ قال: «إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» وهو خطاب غائب. ولو جاء الكلام على مساق الأول لكان: سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بارك حوله ليريه من آياته إنّه هو السميع البصير. وهذا جميعه يكون معطوفا على «أَسْرى»، فلمّا خولف بين المعطوف والمعطوف عليه في الانتقال من صيغة إلى صيغة كان ذلك اتساعا وتفنّنا في أساليب الكلام، ولمقصد آخر معنوي هو أعلى وأبلغ.
وقد أسهب ابن الأثير الكلام هنا وأبدع وأجاد، فلنتتبّع مقاله:
قال: وسأذكر ماسنح لي في هذه الآية الكريمة:
لمّا بدأ الكلام ب- «سُبْحانَ» ردفه بقوله: «الَّذِي أَسْرى» إذ لايجوز أن يقال: الذي أسرينا. فلمّا جاء بلفظ الواحد- واللّه تعالى أعظم العظماء، وهو أولى بخطاب العظيم في نفسه الذي هو بلفظ الجمع- استدرك الأول بالثاني، فقال: «بارَكْنا». ثمّ قال: «إِنَّهُ هُوَ» عطفا على «أَسْرى»، وذلك موضع متوسّط الصفة، لأنّ السمع والبصر صفتان يشاركه فيهما غيره، وتلك حال متوسّطة، فخرج بهما عن خطاب العظيم في نفسه إلى خطاب غائب.
فانظر إلى هذه الالتفاتات المترادفة في هذه الآية الواحدة، التي جاءت لمعانٍ اختصّت بها، يعرفها من يعرفها، ويجهلها من يجهلها.[١]
وممّا ينخرط في هذا السلك، الرجوع من خطاب الغيبة إلى خطاب النفس، كقوله تعالى: «ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ. فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَ أَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَ حِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ».[٢]
والفائدة في هذا العدول: أنّ طائفة من الناس غير المتشرّعين كانوا يعتقدون أنّ النجوم ليست في سماء الدنيا، وأنّها ليست حفظا ورجوما. فلمّا صار الكلام إلى هنا عدل إلى خطاب النفس لأنّه مهمّ من المهمّات، فناسبه التعزيز بالاستناد إلى النفس- وهو القادر
[١] - المثل السائر، ج ٢، ص ١٧٣- ١٧٦.
[٢] - فصّلت ١١: ٤١- ١٢.