التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦٥ - حد الالتفات وفائدته
و إنّما قيل: «لَقَدْ جِئْتُمْ» وهو خطاب للحاضر، بعد قوله: «وَ قالُوا ...» وهو خطاب للغائب، لفائدة لطيفة، وهي زيادة التسجيل عليهم بالجرأة على اللّه سبحانه، والتعرّض لسخطه، وتنبيه لهم على عظم ماقالوه، كأنّه يخاطب قوما حاضرين بين يديه صاغرين منكرا عليهم وموبّخا لهم.
ومن هذا الباب قوله تعالى: «أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ».[١] فبدأ بالغيبة «أَ لَمْ يَرَوْا ...» وختم بالخطاب «نُمَكِّنْ لَكُمْ». قيل: لنكتة هي:
حثّ السامع وبعثه على الاستماع. حيث أقبل المتكلّم عليه، وأعطاه فضل عناية وتخصيص بالمواجهة.
ومنه أيضا قوله تعالى: «وَ سَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً. إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً».[٢] فهو تشريفٌ لمقامهم بالحضور لديه، وتفخيمٌ لشأنهم.
ومنه: «إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ».[٣]
وهذا الالتفات هنا كان لأجل تخصيص الحكم بشخصه صلى الله عليه و آله، فلا يعمّ المسلمين، فيما لو توهَّم متوهِّم أَنّ ذكره كان للتمثيل لا للتخصيص.
وهذا نظير ماقالوه بشأن آية الإسراء[٤] من أنّ الوجه في العدول من الغيبة إلى خطاب النفس كان لتخصيص القدرة، وأنّه غير مستطاع لغيره تعالى، وهكذا هنا، إرادة لتخصيص هذا الحكم بالنبي صلى الله عليه و آله دون غيره.
وممّا جاء من الالتفات مرارا على قصر متنه وتقارب طرفيه قوله تعالى: «سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ».[٥]
فقال أولًا: «سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى» بلفظ الواحد، ثمّ قال: «الَّذِي بارَكْنا» بلفظ الجمع،
[١] - الأنعام ٦: ٦.
[٢] - الإنسان ٢١: ٧٦- ٢٢.
[٣] - الأحزاب ٥٠: ٣٣.
[٤] - قوله:« سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ- إلى قوله- لِنُرِيَهُ ...» انتقالًا من الغيبة إلى التكلّم عن النفس.
[٥] - الإسراء ١: ١٧.