التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦٤ - حد الالتفات وفائدته
فأمّا الرجوع من الغيبة إلى الخطاب فكقوله تعالى- في سورة الفاتحة-: «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ. إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ. صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ لَا الضَّالِّينَ».
هذا رجوع من الغيبة إلى الخطاب. وممّا يختصُّ به هذا الكلام من الفوائد قوله: «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ» بعد قوله: «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ». فإنّه إنّما عدل فيه من الغيبة إلى الخطاب لأنّ الحمد دُون العبادة، ألا تراك تحمد نظيرك ولا تعبده! فلمّا كانت الحال كذلك استعمل لفظ الحمد لتوسّطه مع الغيبة في الخبر، فقال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ»، ولم يقل: الحمد لك.
ولمّا صار إلى العبادة- التي هي أقصى الطاعات- قال: «إِيَّاكَ نَعْبُدُ» فخاطب بالعبادة إصراحا بها، وتقرّبا منه عزّ اسمه بالانتهاء إلى محدود منها.
وعلى نحو من ذلك جاء في آخر السورة، فقال: «صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ» فأصرح موضع التقرّب من اللّه بذكر نِعَمِه، فلمّا صار إلى ذكر الغضب جاء باللفظ منحرفا عن ذكر الغاضب، فأسند النعمة إليه لفظا، وزوى عنه لفظ الغضب تحنّنا ولطفا.
فانظر إلى هذا الموضع وتناسب هذه المعاني الشريفة التي الأَقدام لاتكاد تطأُها، والأَفهام مع قربها صافحة عنها.
وهذه السورة قد انتقل في أوّلها من الغيبة إلى الخطاب لتعظيم شأن المخاطب.
ثمّ انتقل في آخرها من الخطاب إلى الغيبة لتلك العلّة بعينها، وهي تعظيم شأن المخاطب أيضا، لأنّ مُخطابة المولى تبارك وتعالى بإسناد النعمة إليه تعظيمٌ لخطابه، وكذلك ترك مخاطبته بإسناد الغَضَب إليه تعظيمٌ لخطابه.
فينبغي أن يكون صاحب هذا الفنّ من الفصاحة والبلاغة عالما بوضع أنواعه في مواضعها على اشتباهها.
ومن هذا الضرب قوله تعالى: «وَ قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً. لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا».[١]
[١] - مريم ٨٨: ١٩- ٨٩. والإدّ: الأمر المنكر المثير للجَلَبة، من قولهم: أدّت الناقة إذا رَجّعت حنينها ترجيعا شديدا. والأديد:
الجلبة.