التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٥٤ - «فمثله كمثل الكلب»
كلّ إيقاعات الحياة الواقعة، إلى جنب إيقاعات العبارة الموحية:
«وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها، فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ، فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ. وَ لَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها، وَ لكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَ اتَّبَعَ هَواهُ. فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ، أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ..».[١]
إنّه مشهد من المشاهد العجيبة، الجديدة كلّ الجدة على ذخيرة هذه اللغة من التصوّرات والتصويرات. إنسان يؤتيه اللّه آياته، ويخلع عليه من فضله، ويكسوه من علمه، ويعطيه الفرصة كاملة للهدى والاتّصال والارتفاع. ولكن هو ذا ينسلخ من هذا كلّه انسلاخا، ينسلخ كأنّما الآيات أديمٌ له متلبّس بلحمه، فهو ينسلخ منها بعنف وجهد ومشقّة، انسلاخ الحيّ من أديمه اللاصق بكيانه ... أو ليست الكينونة البشريّة متلبّسة بالإيمان باللّه تلبّس الجلد بالكيان؟ ... ها هو ذا ينسلخ من آيات اللّه، ويتجرّد من الغطاء الواقي، والورع الحامي؛ وينحرف عن الهدى ليتبع الهوى؛ ويهبط من الأُفق المشرق فيلتصق بالطين المعتم؛ فيصبح غرضا للشيطان، لايقيه منه واقٍ، ولا يحميه منه حامٍ؛ فيتّبعه ويلزمه ويستحوذ عليه.
ثمّ نحن أُولاء أمام مشهد مفزع بائس نكد. إذا نحن بهذا المخلوق، لاصقا بالأرض، ملوّثا بالطين. ثمّ إذا هو مسخ في هيأة الكلب، يلهث إن طورد، ويلهث إن لم يطارد ... كلّ هذه المشاهد المتحرّكة تتتابع وتتوالى، والخيال شاخص يتبعها في انفعال وانبهار وتأثّر.
فإذا انتهى إلى المشهد الأخير منها، مشهد اللهاث الذي لاينقطع، سمع التعليق المرهوب الموحى، على المشهد كلّه:
«ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا، فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ».
ذلك مثلهم! فلقد كانت آيات الهدى وموحيات الإيمان متلبّسة بفطرتهم و كيانهم وبالوجود كلّه حولهم. ثمّ إذا هم ينسلخون منها انسلاخا. ثمّ إذا هم أمساخ شائهو الكيان، هابطون عن مكان «الإنسان» إلى مكان «الحيوان». مكان الكلب الذي يتمرّغ في الطين.
[١] - الأعراف ١٧٥: ٧- ١٧٦.