التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٢٩ - ٥ - تكنية وتخييل
التشبيه. فتقول: رأيت رجلًا، وأنت قد توهّمته سبعا، فتلحق به قولك: يفترس أقرانه، فتذكر الافتراس دليلًا على ذلك التشبيه المتوهّم.
وقد اصطلحوا على تسمية ذلك التشبيه المضمر بالاستعارة المكنّى عنها، وتسمية ما يقترن معها من خصائص المشبّه به دليلًا على التشبيه بالاستعارة التخييلية. ومن ثمّ كانت الاستعارتان متلازمتين.
وعدّوا هذا النوع من الاستعارة (التكنية والتخييل) من أبدع أنواع الاستعارات روعةً وجمالًا، حيث موضع ذلك التصوّر النفسي البديع. وكلّما كان ماتصوّره الوهم أوفى بواقعية الأمر وأبلغ كانت الاستعارة أبهى وأجمل.
قال السكاكي: الاستعارة بالكناية أن تذكر المشبّه وتضيف إليه شيئا من لوازم المشبّه به على سبيل الاستعارة التخييلية. فتقول: مخالب المنيّة نشبت بفلان، طاويا لذكر المشبّه به، فقد شبّهت المنيّة بالسبع في اغتيال النفوس وانتزاع أرواحها بالقهر والغلبة، من غير تفرقة بين نفّاع وضرّار، ولا رقّة لمرحوم ولابُقيا على ذي فضيلة، تشبيها بليغا حتى كأنّها سبع من السباع، فيأخذ الوهم في تصويرها في صورة السبع واختراع مايلازم صورته ويتمّ بها مشاكلته من أعضاء وجوارح، وعلى الخصوص مايكون قوام اغتيال السبع للنفوس بها، وتمام افتراس الفرائس بها، من الأنياب والمخالب، ثمّ تطلق على مخترعات وهمك أسامي من المتحقّق، لتفيض عليها تلك الصورة الوهمية.
وهكذا إذا شبّهت الحال في دلالتها على أمر بإنسان يتكلّم، فيعمل الوهم في الاختراع للحال مايكون قوام التكلّم به، وهو تصوير صورة اللسان، ثمّ تطلق عليه اسم اللسان المتحقّق وتضيفه إلى الحال، قائلًا: لسان الحال ناطق بكذا.
أو أن تشبّه ولاية أمر صادفتها واقعة تحت مشيئة امرىء، وتابعة لرأيه يتصرّف فيها كيف يشاء، بالناقة المنقادة التابعة لمستتبعها كيف أراد، فتثبت لها في الوهم ما هو قوام ظهور انقياد الناقة به، وهو صورة الزمام، فتطلق عليها اسم الزمام المتحقّق، قائلًا: زمام الحكم بيد فلان.