التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٠٦ - تعريف الاستعارة
تعريف الاستعارة
قال عبدالقاهر: الاستعارة أن يكون لفظ الأصل في الوضع اللغوي معروفا، وتدلّ الشواهد على اختصاصه به، فيكون استعماله في غيره نقلًا إليه نقلًا غير لازم، فيشبه أن تكون عارية.[١]
وقال السكاكي: هو أن تنوي التشبيه، ولا تصرّح به، فتذكر أحد طرفي التشبيه وتريد به الآخر، مدّعيا دخول المشبّه في جنس المشبّه به، بدلالة ماتذكر له من خصائص المشبّه به. فلو قلت: في الدار أسد، وأنت تريد به إنسانا شجاعا، كأنّك ادّعيت أنّه من جنس الاسود فأثبتّ له خاصّية من خصائص الأسد وهي الشجاعة. وهذا فيما ذكر المشبّه به واريد المشبّه. وأمّا العكس فكقولك: انشبّت المنيّة أظفارها بفلان، وأنت تريد بالمنيّة السبع، فقد شبّهتها به وأفردتها بالذكر، وادّعيت لها السبعية وإنكار أن تكون شيئا غير السبع، ومن ثمّ أثبتّ لها الأظفار وهي من خصائص السبع.[٢]
وعليه فالاستعارة- بأنواعها الكثيرة- مبتنية على التشبيه، لكن مضمرا في النفس غير مصرّح به، سوى أنّك تذكر أحد طرفي التشبيه مقتصرا عليه، وإنّما تردفه بخصوصية من خصوصيات طرفه الآخر المطوي ذكره، دليلًا على التشبيه.
فالاستعارة نوع من المجاز كانت علاقتها المجوّزة هي المشابهة، وتفوّق عليه بما فيها من المبالغة وكونها الحقيقة الادّعائية، على مافرضه السكاكي. وكذلك يفوق التشبيه في جعل المشبّه من جنس المشبّه به، وذلك بترك التصريح بالتشبيه، فيوهم كونه أحد أفراده ومتساويا معه في كمال الصفة، دون التشبيه المستدعي كون المشبّه به أتمّ وأكمل.
ثمّ إنّ ذكر المشبّه وترك المشبّه به فهو من الاستعارة التخييلية، وهو من أبدع أنواعها.
و إن كان العكس فهي المتعارفة، وتنقسم إلى تجريدية وترشيحية، على مايأتى من ذكر الأقسام.
و ليعلم أنّ الاستعارة- على ماذهب إليه السكاكي وهو المختار- من المجاز العقلي،
[١] - أسرار البلاغة، ص ٢٢.
[٢] - مفتاح العلوم، ص ١٧٤.