التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩٩ - تجسيم الأعمال وتجسيد المعنويات
مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ»[١] .. الخ.
ومن هذا النوع: «أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَ فَرْعُها فِي السَّماءِ. تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. وَ مَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ».[٢]
ولكن الذي نعنيه هنا بالتجسيم ليس هو التشبيه بمحسوس، فهذا كثير معتاد، إنّما نعني لونا جديدا هو تجسيم المعنويات وتجسيدها، لاعلى وجه التشبيه والتمثيل، بل على وجه التصيير والتحويل.
* يقول: «يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَ ما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَ بَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً».[٣] «وَ وَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَ لا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً».[٤] أو «وَ ما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ»[٥] فيجعل كأنّ هذا العمل المعنوي مادّة محسوسة، تحضر «على وجه التجسيم» أو تحضر هي «على وجه التشخيص» أو توجد عند اللّه كأنّها وديعة تسلّم هنا فتتسلّم هناك.
وقريب من هذا تجسيم الذنوب كأنّها أحمال (تُحمل على الظهور زيادة في التجسيم): «وَ هُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ».[٦] «وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى».[٧]
ومن تجسيم المعنويات أمثال: «وَ تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى»[٨] فالتقوى زاد. أو صبغة اللّه «وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً»[٩] فدين اللّه صبغة معلمة. أو «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً»[١٠] فالسلم ممّا يدخل فيه. أو «وَ ذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَ باطِنَهُ»[١١] فالإثم ممّا له ظاهر وباطن ... إلى آخر هذا النحو من الاستعارات.
[١] - البقرة ٢٦٥: ٢.
[٢] - إبراهيم ٢٤: ١٤- ٢٦.
[٣] - آل عمران ٣٠: ٣.
[٤] - الكهف ٤٩: ١٨.
[٥] - البقرة ١١٠: ٢.
[٦] - الأنعام ٣١: ٦.
[٧] - الأنعام ١٦٤: ٦، الإسراء ١٥: ١٧، فاطر ١٨: ٣٥، الزمر ٧: ٣٩.
[٨] - البقرة ١٩٧: ٢.
[٩] - البقرة ١٣٨: ٢.
[١٠] - البقرة ٢٠٨: ٢.
[١١] - الأنعام ١٢٠: ٦.