التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩٢ - أمثال مضروبة أم اشخاص مشهودة؟
أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ».[١]
والآن فإلى صاحب جنّة اخرى، بل صاحب جنّتين أكبر من الاولى. إنّ له لَقصة مع صاحب له، ليس من ذوي الجنان، ولكن من ذوي الإيمان. وكلاهما «نموذج إنساني» لطائفة من الناس: صاحب الجنّتين نموذج للرجل الثري، تذهله الثروة، وتبطره النعمة، فينسى القوّة الكبرى، التي تسيطر على أقدار الناس والحياة، ويحسب هذه النعمة خالدة لاتفنى، فلن تخذله القوّة ولا الجاه. وصاحبه نموذج للرجل المؤمن المعتزّ بإيمانه، الذاكر لربّه، يرى النعمة دليلًا على المنعم، موجبة لحمده وذكره، لالجحوده وكفره:
«وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَ حَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَ جَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً. كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَ لَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَ فَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً. وَ كانَ لَهُ ثَمَرٌ».[٢]
وبهذا ترتسم صورة الجنّتين مكتملة في ازدهار وفخامة. وهذا هو المشهد الأول.
فلننظر المشهد الثاني:
«فَقالَ لِصاحِبِهِ وَ هُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَ أَعَزُّ نَفَراً».
ويبدو أنّه قال قولته هذه وهما في الطريق إلى الجنّتين، أو وهما على الباب، إذ جاء بعده:
«وَ دَخَلَ جَنَّتَهُ وَ هُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً. وَ ما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَ لَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً».
فها هو ذا في أَوجّ زهوه وبطره، وتعاليه وازدهائه. فماذا ترى يكون أثر هذا كلّه في نفس صاحبه الفقير، الذي لاجنّة له ولا مال، ولا عصبة له ولا نفر؟ إنّ صاحبه لَمؤمن، فما تشعره كلّ هذه المظاهر بالهوان، وما تنسيه عزّة ربّه الديّان، وما تغفله عن واجبه الصحيح، في ردّ صاحبه البطر، إلى جادّة الطريق، ولو استدعى ذلك أن يجبهه بالتقريع، وأن يذكّره بمنشئه الصغير من التراب المهين: «قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَ هُوَ يُحاوِرُهُ أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا. لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَ لا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً. وَ لَوْ لا إِذْ دَخَلْتَ
[١] - القلم ١٧: ٦٨- ٣٢.
[٢] - الكهف ٣٢: ١٨- ٣٤.