التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧١ - تعبير بلفظ أم إفاضة بحياة؟
«إذ أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَ هِيَ تَفُورُ. تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ».[١]
* وهذه الشمس وهذا القمر كوكبان، الشمس تشغل مركزية المنظومة وهي تجري لمستقرٍّ لها، وتجرّ معها أبناءها وبناتها، وهم يدورون حولها. والقمر يدور حول الأَرض التي هي بدورها تدور حول الشمس. لكنّهما بظاهر المشاهدة الحسّية يدوران حول الأرض عند رؤية العين المجرّدة، كأنّهما يتلاحقان. كما أنّ الليل والنهار يتسابقان على سطح الأَرض، هذا من طرف وهذا من جانب، لكن «لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَ لَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ»[٢] كأنّ عرصة الفضاء ساحة المسابقة، والسُبّاق هم: الشمس والقمر والليل والنهار. فساحة الكون كلّه عرصة السباق، والفضاء جميعه تسابق وتنافس وحركة وحياة ... «صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ».[٣]
وأعجب من ذلك أنّه يصوّر من حالة الغضب- وهي صفة نفسانية- إنسانا صاحب شعور وإدراك رقيق، قد يثور ويفور غيظه ثمّ يهدأ ويسكن غضبه. وقد جاء في التعبير القرآني عن هذا الثوران بإلقاء الوساوس والإغراء بالأخطار، وعن ذاك الهدوء بالسكوت والإمساك عن الكلام.
قال الزمخشري- عند تفسير قوله تعالى: «وَ لَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ»-:[٤] كأنّ الغضب كان يغريه على فعل مافعل، ويقول له: قل لقومك كذا، وألق بالألواح، وجرّ برأس أخيك إليك. هكذا كان يهمس في اذنه ويلقي في روعه، فكأنّ موسى يفعل مايفعل بإغرائه وتحريضه. حتّى إذا ماسكت الغضب عن الكلام وأمسك بلسانه ترك موسى وشأنه وقطع الإغراء.
قال: ولم يستحسن هذه الكلمة ولم يستفصحها كلّ ذي طبع سليم وذوق صحيح إلّا لذلك، ولأنّه من قبيل شعب البلاغة. وإلّا فما لقراءة معاوية بن قرة: «ولمّا سكن عن موسى الغضب» لا تجد النفس عندها شيئا من تلك الهزّة وطرفا من تلك الروعة.[٥]
[١] - الملك ٧: ٦٧- ٨.
[٢] - يس ٤٠: ٣٦.
[٣] - النمل ٨٨: ٢٧.
[٤] - الأعراف ١٥٤: ٧.
[٥] - الكشاف، ج ٢، ص ١٦٣.