التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦٢ - ٧ - حسن تشبيهه وجمال تصويره
بأوجز بيان ممكن، فجمع إلى فضيلة البيان فضيلة الإيجاز والمبالغة والإيفاء.
قال: إلّا أنّه من بين أنواع علم البيان مستوعر المذهب، وهو مقتل من مقاتل البلاغة، لأنّ حمل الشيء على الشيء بالمماثلة، إمّا صورة أو في خفايا المعنى، ممّا يعزّ صوابه وتعسُر الإجادة فيه، وقلّما أكثر منه أحد إلّا عثر، وخاض في عبابه إلّا غرق. فكم من ادباء وبلغاء أكثروا منه إلّا زلّوا، وخاضوا لججه إلّا عاثوا وماثوا، كما فعل ابن المعتزّ من ادباء العراق، وابن وكيع من ادباء مصر، إنّهما أكثرا من ذلك، فلا جَرَم أنّهما أتيا بالغثّ البارد الذي لايثبت على محكّ الصواب.[١]
والتشبيه الذي نبحث عنه لايخصّ ما كان تشبيها بالتصريح، وإنّما يعمّ التشبيه المضمر في أنواع الاستعارة والتمثيل وغيرهما ممّا هو محطّ بلاغة الكلام.
*** والغرض من التشبيه لايحصر في عدّ، حسبما يأتي في كلام الجرجاني، وإنّما فائدته العامّة هي: أنّك إذا شبّهت شيئا بآخر فإنّما تقصد إلى تخييل صورة في النفس تشبه صورة المشبّه به المعروفة عند السامع، فيرغب فيه أو ينفر عنه، حسبما اوتي المشبّه به من حظّ الحسن أو القبح في النفوس. وهذا يوجب رفعة شأن المشبّه أو ضعته، تحسينه أو تقبيحه، على درجة قوّة أداة التصوير في مقام التشبيه. الأمر الذي يرتبط وقدرة المتكلّم في حسن الأداء والإجادة في البيان.
قال السكاكي: والغرض من التشبيه يعود في الأغلب إلى المشبّه، إمّا لبيان إمكانه، كقول أبي الطيب:
|
فإن تفُق الأنام وأنت منهم |
فإنّ المسك بعض دم الغزال |
|
فإنّه لمّا أراد تفضيل الممدوح على سائر الناس، مع أنّه من جنسهم، فقد أوهم أنّه من نوع أشرف، فكان كالممتنع، ومن ثمّ حاول بيان إمكانه بالتشبيه المذكور.
وقد يكون لبيان حاله بوصف خاص، كما وصف تعالى الهلال بعد خروجه من
[١] - المثل السائر، ج ٢، ص ١٢٢- ١٢٣.