التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٣٧ - حسن الختام في خواتيم السور
الشاعر مُستعذبا حسنا، وأحسنه ماأذن بانتهاء الكلام، حتى لايبقى للنفس تشوّفٌ إلى ماوراءه.
قال ابنمعصوم: وهذا رابع المواضع التي نصّ أئمّة البلاغة على التأنّق فيه، لأنّه آخر مايقرع السمع ويرتسم في النفس، وربما حفظ لقرب العهدية، فإن كان مختارا حَسَنا تلقّاه السمع واستلذّه، ولربما جبرماوقع فيما سبق من التقصير، كالطعام الشهيّ يُتناول بعد الأطعمة التفهة. فإن كان بخلاف ذلك كان على العكس، حتى ربما أنسى المحاسن قبله.[١]
وقد اتّفقت كلمة أعلام البيان على أنّ خواتيم السوَر كلّها كفواتحها في غاية الجودة ونهاية الكمال. إذ اختُتمت على أحسن وجوه البلاغة وأفضل أنحاء البراعة، مابين أدعية خالصة، وتحميد وتهليل وتسبيح، أو إيجاز لما اقتضته السورة من تفصيل، ممّا يناسبه الاختتام، والإيذان للسامع بختم المقال وتوفّيه المرام، فلا يبقى معه تشوّف إلى إدامةٍ وتكميلٍ أو إتمام.[٢]
قال ابن معصوم: خواتيم السوَر كفواتحها واردة على أحسن وجوه البلاغة وأكملها ممّا يناسب الاختتام، كتلخيص جملة المطلوب ثمّ تفصيلها بأوجز بيان في خاتمة سورة الفاتحة. إذ المطلوب الأعلى من هداية الأنام هو الإيمان باللّه واتّباع طريقة مصونة عن الزيغ والانحراف ممّا يوجب سخطه تعالى والتيه في وادي الضلال. فهذا قد لُخّص أولًا في قوله: «اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ» ثمّ فُصّل: «صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ لَا الضَّالِّينَ». يعني أنّهم جمعوا بين النِعَم المطلقة، وهي: نِعمة الإيمان، ونعمة السلامة عن غضب الرحمان، ونعمة التجنّب عن أسباب الضلال، التي هي المعاصي وتجاوز الحدود.
وهكذا ختمت سورة البقرة بالدعاء والاستغفار والابتهال إلى اللّه في طلب النصر والتوفيق، وهو من أجمل الخواتيم وأفضلها.
قال: وتأمّل سائر خواتيم السوَر تجدها كذلك في غاية الجودة ونهاية اللطافة، هذه
[١] - أنوار الربيع، ج ٦، ص ٣٢٤.
[٢] - راجع معترك الأقران، ج ١، ص ٧٥.