التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٣٤ - خبر قس بن ساعدة
مطر ونبات، وآباء وامّهات، وذاهب وآت، وآيات في إثر آيات، وأموات بعد أموات، ضوء وظلام، وليالٍ وأيّام، وفقير وغنيّ، وسعيد وشقيّ، ومُحسنٌ ومُسيء. تبّا لأرباب الغفلة، ليصلحنّ كلّ عامل عمله! كلّا بل هو اللّه واحد، ليس بمولود ولا والد، أعاد وأبدأ، وإليه المآب غدا.
وأمّا بعد، يامعشر أياد، أين ثمودُ وعاد؟ وأين الآباء والأجداد؟ أين الحَسَن الذي لم يُشكر، والقبيح الذي لم يُنقَم؟ كلّا وربّ الكعبة، ليعودنَّ مابدا، ولئن ذهب يومٌ ليعودنَّ يومٌ.
قال الصدوق: وكان قُسّ يَعرف النبيّ باسمه ونسبه، ويُبشّر الناس بخروجه، وكان يستعمل التقيّة ويأمر بها في خلال مايعظ به الناس.
قال- برواية أسندها-: جمع قُسّ وُلده، فقال لهم:
إنّ المعاء تكفيه البقلة وتُرويه المذقة، ومن عيّرك شيئا ففيه مثله، ومن ظلمك وجد من يظلمه. متى عَدَلتَ على نفسك عَدَلَ عليكَ من فوقك. فإذا نهيت عن شيء فابدأ بنفسك، ولا تجمع ما لاتأكل، ولا تأكل ما لاتحتاج إليه. وإذا ادّخرت فلا يكوننّ كنزك إلّا فعلك. وكن عفّ العيلة، مشترك الغنى تسدّ قومك. ولا تشاورنَّ مشغولًا وإن كان حازما.
ولا جائعا وإن كان فهما. ولا مذعورا وإن كان ناصحا. ولا تضعنّ في عنقك طوقا لايُمكنك نزعه إلّا بشقّ نفسك. وإذا خاصمت فاعدل، وإذا قلت فاقتصد. ولا تستودعنّ أحدا دينك وإن قربت قرابته. فإنّك إذا فعلت ذلك لم تزل وجلًا، وكان المستودع بالخيار في الوفاء بالعهد، وكنت له عبدا ما بقيت، فإن جنى عليك كنت أولى بذلك، وإن وفى كان الممدوح دونك. عليك بالصدقة، فإنّها تكفّر الخطيئة.
قال الصدوق: فكان قسّ لايستودع دينه أحدا. وكان يتكلّم بما يخفى معناه على العوام، ولا يستدركه إلّا الخواصّ.[١]
[١] - كمال الدين وتمام النعمة، ج ١، ص ١٦٦- ١٦٩.