التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٤ - ٢ - طرافة سبكه وغرابة اسلوبه
خروج. فالحرف المتولّد من الإشباع: «خروج» وحركة هاء الوصل: «نفاذ».[١]
ثمّ إنّ القرآن، وإن استعمل «الرويّ» في فواصل آيه، لكنّه لم يلتزم بشروط القافية، فكان إلى التسجيع الرصين أقرب منه إلى تقفية الشعر، ولذلك اصطلحوا على تسمية ذلك بالفاصلة فرقا بينها وبين القافية المصطلحة.
كما أنّه لم ينظّم شيئا من جمله وتراكيبه الكلامية على أوزان الشعر وبحوره، لافي الاصول ولا في فروعها، ومن ثمّ فهو أبعد ما يكون شعرا «وَ ما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَ ما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَ قُرْآنٌ مُبِينٌ»[٢] ... وكما شهد بذلك فصحاء العرب الأوّلون، حسبما مرّ من كلام الوليد وشهادة أنيس بن جنادة وغيرهما من الأفذاذ.
*** قال أبوالحسن علي بنعيسى الرّمّاني (٢٩٦- ٣٨٦): وأمّا نقض العادة، فإنّ العادة جارية بضروب من أنواع الكلام معروفة، منها الشعر، ومنها السجع، ومنها الخطب، ومنها الرسائل، ومنها المنثور الذي يدور بين الناس في الحديث. فأتى القرآن بطريقة مفردة خارجة عن العادة، لها منزلةٌ في الحسن تفوق كلّ طريقة.[٣]
وقال الباقلّاني: قد علمنا أنّ كلام العرب ينقسم إلى نثر، ونظم، وكلام مقفّى غير موزون، وكلام موزون غير مقفّى، ونظم ليس بمقفّى كالخطب والسجع، ونظم مقفّى موزون له رويّ- إلى أن يقول:- على أن الآية في القرآن، أنّه نزل بلسان العرب وكلامهم، ومنظوم على وزن يفارق سائر أوزان كلامهم. ولو كان من بعض النظوم التي يعرفونها لعلموا أنّه شعر أو خطابة أو رجز أو طويل أو مزدوج، غير أنّ ناظمه قد برع وتقدّم فيه ... وليس يخرج الحذق في الصنعة إلى أن يؤتى بغير جنسها، وماليس منها في شيء، وما لايعرفه أهلها.[٤]
قلت: وهذا يعني أنّ الكلام إمّا موزون متكامل الوزن، مع تعادل الأجزاء، والتزام
[١] - مفتاح العلوم، ص ٢٧٠- ٢٧٢.
[٢] - يس ٦٩: ٣٦.
[٣] - النكت في إعجاز القرآن، ص ١١١.
[٤] - راجع: التمهيد للباقلاني، ص ١٢١؛ والإعجاز له، ص ٩٤- ٩٥.