التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٠ - ٢ - طرافة سبكه وغرابة اسلوبه
هذا. ثمّ قال: وواللّه إنّ لقوله الذي يقول حلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وإنّه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنّه ليعلو وما يُعلى ... وفي رواية الإصابة زيادة: «وما هذا بقول بشر». وفي نسخة الغزالي: «وما يقول هذا بشر».[١]
ولمّا سمع عتبة بن ربيعة- وكان سيّدا في العرب- آيا من مفتتح سورة فصّلت، قرأها عليه النبيّ صلى الله عليه و آله أتى معشر قريش، فسألوه: ما وراءك؟ قال: ورائي أنّي قد سمعت قولًا، واللّه ما سمعت مثله قطّ، واللّه ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة.[٢]
وهكذا أنيس بنجنادة، لمّا بعثه أخوه أبوذر ليستخبر من حالة النبيّ صلى الله عليه و آله وكان من أشعر العرب، فلمّا رجع قال: لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر (أي أوزانه) فما يلتئم على لسان أحد بعدي (أي غيري) أنّه شعر، واللّه إنّه لصادق، وإنّهم لكاذبون.[٣]
إلى غيرها من كلمات تنمّ عن رفيع شأن هذا الكلام الإلهي الخالد ... وقد مرّت.[٤]
وتوضيحا لهذا الجانب من إعجاز القرآن البياني- في سبكه واسلوبه- نقول: لا شكّ أنّه نثر، لا كنثرهم، أمّا من حيث اللفظ فإنّه رُصّع على أحسن ترصيع، ورصفت كلماته وجمله وتراكيبه على أجمل ترصيف، فيه جمال الشعر ووقار النثر وإجادة السجع الرصين، مع قوّة البيان ورشاقة التعبير، من غير أن يعتريه وهن أو ضعف، في طول كلامه وتعدّد بياناته.
وهكذا من حيث المعنى، جاء بمعانٍ جديدة كانت مهجورة أو مطموسة، فأحياها من جديد، وأبان من مراميها، وألقى الضوء على فلسفة الوجود وسرّ الحياة في المبدأ والمعاد، فجاء بمعارف جليلة وتعاليم نبيلة، أنار بها درب الحياة بما أذهل القلوب وأبهر العقول وأحار ذوي الألباب.
وفي ذلك يقول العلّامة محمَّد عبداللّه دراز: اسلوب القرآن لايعكس نعومة أهل المدن ولا خشونة أهل البادية، وزن المقاطع فيالقرآن أكثر ممّا في النثر وأقلّ ممّا فى
[١] - المستدرك على الصحيحين، ج ٢، ص ٥٠٧.
[٢] - سيرة ابن هشام، ج ١، ص ٣١٤.
[٣] - شرح الشفا للقاري، ج ١، ص ٣٢٠.
[٤] - راجع: الجزء الرابع من التمهيد،« شهادات وإفادات».