الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية - المدني، عليخان بن احمد - الصفحة ٩٠٨
الصورة، و المراد بالكون الوجود و بالإطلاق عدم التقييد بأمر زائد على الوجود، و إيضاح ذلك أن يقال: إن كان امتناع الجواب لمجرّد وجود المبتدأ، فالخبر كون مطلق، نحو: لولا زيد لأكرمتك، فالإكرام ممتنع لوجود زيد، فزيد مبتدأ، و خبره محذوف وجوبا، و هو كون مطلق، أي لو لا زيد موجود.
و إن كان امتناع الجواب لمعنى زائد على وجود المبتدإ فالخبر كون مقيّد كما إذا قيل: هل زيد محسن إليك، فتقول: لولا زيد لهلكت، تريد لو لا إحسان زيد لهلكت، فالهلاك ممتنع لإحسان زيد، فالخبر كون مقيّد بالإحسان، و إنّما حذف الخبر مع لولا إذا كان كونا مطلقا، لأنّه معلوم بمقتضاها، إذ هي دالّة على امتناع الوجود، و المدلول على امتناعه هو الجواب، و المدلول على وجوده هو المبتدأ، فإذا قيل: لولا زيد لأكرمتك، لم يشكّ في أنّ وجود زيد منع من الإكرام، فصحّ الحذف لتعيين المحذوف، و إنّما وجب لسدّ الجواب مسدّه و حلوله محلّه.
فلو كان الخبر كونا مقيّدا بمعنى زائد على الوجود، وجب ذكره إن لم يعلم، نحو:
لو لا زيد سالمنا ما سلم، و منه الحديث: لولا قومك حديثو عهد بكفر لأسست البيت على قواعد إبراهيم (ع) [١]
و يجوز الأمران إن علم: نحو: لولا أنصار زيد حموه ما سلم، فيجوز إثبات حموه الّذي هو الخبر و حذفه لفهم معناه من الكلام، و منه قول المعرّيّ [من الوافر]:
١٠٢٣- يذيب الرّعب منه كلّ عضب
فلولا الغمد يمسكه لسالا [٢]
فلو قيل: لولا الغمد لسالا لصحّ.
هذا التفضيل مذهب الرمانيّ و ابن الشجري و الشلوبين و ابن مالك، و قال الجمهور: لا يكون الخبر إلا كونا مطلقا محذوفا، فإذا أريد الكون المقيّد وجب جعله مبتدأ، فتقول في لو لا زيد حموه و تأوّلوا ما ورد بخلافه، و قالوا: الحديث مرويّ بالمعنى، و لحّنوا المعرىّ.
قال ابن هشام: و ليس التلحين بجيّد، لاحتمال تقدير يمسكه بدل اشتمال على أنّ الأصل أن يمسكه، ثمّ حذفت أن و ارتفع الفعل، أو يمسكه جملة معترضة، و خرّجه بعضهم على أنّ يمسكه حال من الضمير المستكن في الخبر، أي فلولا الغمد موجود في حال كونه يمسكه، و ردّ بنقل الأخفش عن العرب أنّهم لا يأتون بالحال بعد الاسم الواقع
[١] - جاء الحديث في النسائي بهذه الصورة: لولا حداثة عهد قومك بالكفر لنقضت البيت فبنيته على أساس إبراهيم. سنن النسائي ص ٦٩٦ رقم ٢٨٩٨.
[٢] - اللغة: يذيب: من الإذابة، و هي إسالة الحديد و نحوه من الجامدات، الرعب: الفزع و الخوف، الغضب:
السيف القاطع، الغمد: غلاف السيف.