الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية - المدني، عليخان بن احمد - الصفحة ٢٩
الكمال، و زعم بعضهم أنّه اسم جنس موضوع لمفهوم الواجب الوجود لذاته أو المستحقّ للعبودية، و كلّ منهما كلّيّ انحصر في فرد.
قال العلامة التفتازانيّ [١] في شرح التلخيص: لو كان الأمر على ما زعم، لما أفاد قولنا- لا إله إلا اللّه- التوحيد، لأنّ المفهوم من حيث هو محتمل للكثرة، و لا نزاع في أنّ هذه الجملة كلمة توحيد، و أيضا فالمراد بالإله في هذه الكلمة أمّا المعبود بحقّ، فيلزم استثناء الشيء من نفسه أو مطلق المعبود، فيلزم الكذب لكثرة المعبودات الباطلة، فيجب أن يكون الإله بمعنى المعبود بحقّ، و اللّه علما للفرد الموجود منه، و المعنى لا مستحقّ للعبوديّة في الوجود أو لا موجود واجب إلا الفرد الّذى هو خالق العالم، انتهى.
لكن قال عصام الدين [٢] في شرحه على التلخيص:- و فيه بحث- لأنّ اللّه إذا كان علما للفرد الموجود منه، لم يكن حاصلا في عقولنا إلا بمفهوم الواجب لذاته و المتّصف به محتمل لمتعدّد كالإله بحقّ، فلا يحصل باستثنائه اثبات ما هو المطلوب بالاستثناء على وجه يوجب التوحيد، و أيضا لما انحصر الإله بحقّ فيه، كان استثناؤه إخراج جميع ما تحت المستثنى منه، فمناط التوحيد على نفى وجود ما يتوهّم معبودا بالحقّ، و إثبات ما هو المستحقّ للعبوديّة في الواقع أو الواجب لذاته، و هو يكفي لانحصاره في ذات واحدة، فالمعنى لا إله يجوّز العقل كونه معبودا بالحقّ إلا الواجب لذاته في الواقع، و لا يتفاوت في ذلك كون اللّه بمعنى الواجب لذاته، أو بمعنى شخص معين ملحوظ بمفهوم الواجب لذاته، نعم كونه بمعنى الشخص أنسب بمقام التوحيد كما لا يخفى، انتهى، و هو حسن.
«الرّحمن الرحيم» صفتان مشبّهتان من رحم بالكسر، بعد نقله إلى رحم بالضّمّ، أو بعد تتريل المتعدّي مترلة اللازم، كما في قولهم فلان يعطي، لأنّ الصفة المشبهة لا تصاغ من متعدّ. و الرحمة رقة و انعطاف، تقتضي التفضّل، و أسماؤه تعالى إنّما تطلق باعتبار الغايات دون المبادى، فالمراد هنا التفضّل أو إرادته، و الرّحمن أبلغ من الرّحيم جريا على القاعدة المشهورة من أنّ زيادة المبنى تدلّ على زيادة المعنى، و ذلك أنّ الأوّل يدلّ على جلائل النعم، و الثانى على دقائقها، و هما مجروران على الوصفيّة من باب تعدّد
[١] - مسعود بن عمر سعد الدين التفتازانيّ، عالم بالنحو و التصريف و المعاني و البيان، له: تهذيب المنطق، المطول في البلاغة، شرح التلخيص. مات سنة ٧٩١ ق. بغية الوعاة ٢/ ٢٨٥.
[٢] - العلّامة الفاضل المحقق عصام الدين إبراهيم بن عربشاه الإسفرايني المتوفي سنة ٩٤٥ ه، و هو من الّذين شرح تلخيص المفتاح في المعاني و البيان للشيخ جلال الدين القزويني، و شرحه ممزوج عظيم يقال له الأطول.
حاجي خليفة، كشف الظنون عن أسامي الكتب و الفنون، المجلّد الأوّل، بيروت، دار إحياء التراث العربي، لاط، لات، ص ٤٧٧.