الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية - المدني، عليخان بن احمد - الصفحة ٥٦٣
و أفهم تقييد المسألة بالمضمر أنّ إبدال الظاهر من الظاهر جائز كما مرّ، و ببدل الكلّ أنّ ابداله بدل بعض أو اشتمال جائز من المضمر مطلقا، كقوله [من الرجز]:
٥٩٣- أو عدني بالسّجن و الأداهم
رجلي فرجلي شثنه المناسم [١]
فرجلي الأوّل بدل من ياء المتكلّم، بدل بعض من كلّ، و قوله [من الطويل]:
٥٩٤- بلغنا السّماء مجدنا و سناؤنا
و إنّا لنرجو فوق ذلك مظهرا [٢]
فمجدنا و سناؤنا بدل اشتمال من ضمير المتكلّم، و هو نا، و إنّما جاز ذلك، لأنّ مدلول الثاني فيه ليس مدلول الأوّل، فلم يبل بكون الأوّل أقوى و أخصّ، لأنّ الثاني يفيد فائدة زائدة على المتبوع.
و يرد على المصنّف (ره) أنّهم جوّزوا إبدال الظاهر من ضمير الحاضر بدل كلّ، إذا كان مفيدا للإحاطة، نحو قوله تعالى: تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَ آخِرِنا [المائدة/ ١١٤]، و أوّلنا و آخرنا بدل كلّ من ضمير المتكلّم المجرور باللام، و لذلك أعيدت اللام مع البدل، و لم أر من حكى خلافا في جواز ذلك، و لم يعتبر الأخفش قيد إفادة الاحاطة، فجوزه مطلقا تمسّكا بقوله [من البسيط]:
٥٩٥- بكم قريش كفينا كلّ معضلة
و أمّ نهج الهدي من كان ضليلا [٣]
« قال بعض المحقّقين» و هو الإمام جمال الدين محمد بن مالك في التسهيل، و تبعه الشيخ جمال الدين بن هشام في الأوضح و الجامع: «لا يبدل المضمر» مطلقا «من مثله» أي من مضمر وقوفا مع السماع « لا من الظاهر» قال في شرح التسهيل: إنّه لم يسمع، « ما مثّل به لذلك» في كلام النحاة «مصنوع على العرب». و ما أوهم ذلك جعل توكيدا «فنحو: قمت أنت»، و رأيتك أنت، و مررت بك أنت، و رأيتك إياك، و أجبت زيدا إيّاه «تأكيد لفظيّ» أمّا نحو: قمت أنت فكونه تاكيدا متّفق عليه من الفريقين، و أمّا نحو: رأيتك إيّاك، فالبصريّون على أنّه بدل، و الكوفيّون على أنّه توكيد.
قال ابن مالك: و قول الكوفيّين عندي أصحّ من قول البصريّين، لأنّ نسبة المنصوب المنفصل من المنصوب المتّصل في نحو: رأيتك إيّاك كنسبة المرفوع المنفصل من المرفوع المتّصل في نحو: فعلت أنت، و المرفوع تأكيد بإجماع، فليكن المنصوب تأكيدا ليجرى المتناسبان مجرى واحدا. قال المراديّ: و كأنّه يعني بقوله: تأكيدا بإجماع أنّه يجوز لا أنّه يتعيّن، فإنّهم قد أعربوا قمت أنت بدلا، انتهى، فتأمّل.
[١] - هو لعديل بن الفرج. اللغة: الأداهم: جمع أدهم و هو القيد، الشثنة: الغلظة و الخشنونه، المناسم جمع منسم: خف البعير و أراد به تحت قدميه.
[٢] - هو للنابغة الجعدي. اللغة: السناء: العلو و الارتفاع.
[٣] - لم ينسب البيت إلى قائل معين. اللغة: كفينا: وقينا، أمّ: قصد، ضليلا: الشديد الضلال.