الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية - المدني، عليخان بن احمد - الصفحة ٨٦٥
جانب هو، أي قيامهم زيدا، أو كلاما يتصيّد منه مصدر، يمكن عود الضمير عليه، نحو:
القوم إخوتك حاشا زيدا، المعنى: جانب هو، أى انتسابهم إليك بالأخوّة زيدا، فيفهم من ذلك أنّ زيدا ليس بأخ، و هو المقصود بالاستثناء، إذ لو كان أخا للمخاطب لم يتجاوز غيره بانتساب الأخوّة إليه، و عبارة المصنّف هذه أحسن من عبارة غيره، حيث قال: عائد إلى مصدر الفعل المتقدّم عليها لشمولها، و لذلك أورد على تلك العبارة أنّه لا يطّرد فيها ذلك لانتقاضه بما إذا فقد الفعل كالصورة الثانية.
أو عائدا إلى «اسم فاعل مفهوم منه» أى ممّا قبلها، سواء كان فعلا أو كلاما كما تقدّم، فالمعنى على الأوّل في نحو: قام القوم حاشا زيدا، جانب القائم منهم زيدا، و على الثاني في نحو: القوم إخوتك حاشا زيدا، جانب المنتسب إليك بالأخوّة زيدا، فهذان قولان في مرجع الضمير، الأوّل للكوفيّين، و الثاني لسيبويه.
و ردّ الأوّل بأنّ فيه تقدير ما لم يلفظ به قطّ، و ذهب جمهور البصريّين إلى أنّه عائد على البعض المفهوم من الكلّ السابق، فلمعنى في نحو: قام القوم حاشا زيدا، جانب بعضهم زيدا، و اختاره ابن مالك في متن التسهيل، و نكل عنه في شرحه، و ضعفه بأنّه يلزم من تقدير البعض أن يراد بالبعض من سوى المستثنى، فيلزم إطلاق البعض على الكلّ إلا واحدا، و هذا و إن صحّ، فلا يحسن لقلّته في الاستعمال، ثمّ اختار مذهب الكوفيّين. و ذهب الفرّاء إلى أنّ حاشا فعل لا فاعل له ك قلّما لما أشربته من معنى إلا، قال أبو حيان: فيمكن القول في خلا و عدا بذلك.
تنبيه: هذا الخلاف في مرجع الضمير المذكور جاز في الضمير الّذى هو فاعل عدا و خلا و ما عدا و ما خلا و ليس و لا يكون، و قد تقدّم الوعد في باب الاستثناء بذكره هنا، إذا ولي حاشا مجرور باللام نحو: حاشا للّه، فليست للاستثناء، و خرجت عن كونها حرفا بالاجماع، و إنّما هي تتريهية، و هل هي حينئذ اسم مصدر بمعنى براءة أي تتريها، فتكون اسما مرادفا له، تنتصب انتصاب المصدر الواقع بدلا من اللفظ بفعله فمن قال:
حاشا للّه، فكأنّه قال: تتريها للّه، أو فعل ماض بمعنى برئت، و المعنى في نحو: حاشا للّه برئت للّه أي لخوفه و مراقبته، و مثل هذا التأويل لا يأتى فى نحو: حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً [يوسف/ ٣١]، لأنّه مقام تعجّب لا تبرئة، أو اسم فعل بمعنى أبرّأ، فمعنى حاش للّه، أبرّأ للّه كما تقدّم، فيه «خلاف».
فالأوّل قول جماعة من المحقّقين، منهم ابن مالك و ابن هشام و الرضيّ، و استدلّوه عليه بجواز تنوينها كقراءة أبي سماك [١]: حاشا لله بالتنوين، فهذا مثل قولهم سقيا لزيد
[١] - لم أجد ترجمة حياته.