الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية - المدني، عليخان بن احمد - الصفحة ٥٣٩
قال الرضيّ: و يلزمه تجويز مثل قولنا: زيد خرج غلامه و عمرو أخوه، و إنّ زيدا خرج و بكرا أخوه، لاستواء أوّل الكلام و أخره، و هو لا يجيزه، و علّله ابن الحاجب بأنّ الّذي ثبت في كلامهم و وجد بالاستقراء من العطف على معمولي عاملين هو المضبوط بالضابط المذكور، فوجب أن يقتصر عليه، و لا يقاس عليه غيره، إذ العطف على معمولي عاملين مختلفين مطلقا خلاف الأصل، فإن اطّرد في صورة معيّنة دون غيرها لم يقس عليها، انتهى.
و لم يلزمه ما لزم الأعلم من تجويز الصورتين المذكورتين، لكنّه يبقى الإشكال عليه في علّة تخصيصهم للصورة المعيّنة بالجواز دون غيرها، و إذا كان العطف على معمولي عاملين مختلفين مخالفا للأصل فهلّا تأوّلوها كما تأوّلها المانعون مطلقا حتى لا يكون تحكّما.
القول الثاني: الجواز مطلقا حكاه الفارسيّ عن جماعة و ابن الحاجب عن الفرّاء، و تمسكوا بقوله تعالى: إِنَّ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ* وَ فِي خَلْقِكُمْ وَ ما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ* وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَ تَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ. [الجاثية/ ٥ و ٤ و ٣].
آيات الأولى منصوبة إجماعا، لأنّها اسم إنّ، و الثانية و الثالثة قرأهما حمزة و الكسائيّ بالنصب، و الباقون بالرفع، و التمسّك بالقراءتين في آيات الثالثة، أمّا الرفع فعلى نيابة الواو مناب الابتداء و في، و أمّا النصب فعلى نيابتها مناب إنّ و في، و بقول الشاعر [من المتقارب]:
٥٦٦- أكلّ امرئ تحسبين امرأ
و نار توقّد باللّيل نارا
أقام الواو مقام كلّ و تحسبين و بقولهم: ما كلّ بيضاء شحمة، و لا سوداء تمرة بنيابتها مناب كلّ و ما، و هذا كما تراه لا يدلّ على المطلوب بتمامه، فإنّهم لم يفرّقوا بين تقدّم المجرور و تأخّره، و الآية و البيت و المثل المجرور فيها متقدّم.
الثالث: المنع مطلقا، و هو قول سيبويه و المبرّد و ابن السراج و هشام و جماعة من متقدّمي البصريّين، و صحّحه ابن مالك، و علّلوه بأنّ العاطف نائب عن العامل، و هو ضعيف من جهة حرفيّته، و من جهة نيابته، فلم يقو أن يقوم مقام عاملين، و تأوّلوا ما أوهم الجواز، فتأوّلوا الآية بتقدير في، فالعمل لها، و إنّما نابت مناب عامل واحد، و هو
[١] - سقط كما تأولها في «ح».
[٢] - البيت لأبي دواد الإيادي، و اسمه جارية بن الحجاج.