الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية - المدني، عليخان بن احمد - الصفحة ١٩٢
الرابعة: بعد مبتدأ صريح في القسم، نحو: «لعمرك» أو ليمين اللّه «لأقومنّ»، أي لعمرك أو ليمين اللّه قسمي، فحذف الخبر للعلم به، إذ تعيّن ذلك للقسم دالّ على تعيين المحذوف، و وجب الحذف لسدّ جوابه مسدّه، و وجه تعيّنها للقسم أنّ اللام لا تستعمل معها إلا فيه، و لا يجوز كونهما خبرين، و المحذوف المبتدأ كما [قال أبو حيّان] في الإرتشاف، و هي لا تكون في الخبر. قال أبو حيّان: و ليست جواب قسم محذوف. قيل:
لأنّ القسم لا يدخل على القسم، و فيه نظر، فقد ورد: وَ لَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى وَ اللَّهُ يَشْهَدُ [التوبة/ ١٠٧]، انتهى.
و جوّز ابن عصفور أن يكون المحذوف في ذلك هو المبتدأ، و التقدير لقسمي عمرك، و الأوّل أولى، لأنّ الحذف بالاعجاز أولى منه بالأوائل و الاحتراز بالصريح من غير الصريح في القسم، و هو ما يصلح له و لغيره، نحو: عهد اللّه لأفعلنّ، أي على، فيجوز حذف على و إثباته، لأنّه لا يشعر بالقسم، حتى يذكر المقسم عليه، بخلاف نحو:
لعمرك و أيمن اللّه و أمانة اللّه ممّا هو صريح في القسم.
و العمر بضمّ العين و فتحها، و يلزمه الفتح مع اللام، لأنّ القسم موضع التخفيف لكثرة استعماله، و هو مصدر محذوف الزوائد، أصله تعميرك، و معناه البقاء و الحياة، فمعنى لعمرك لأقومنّ: و حياتك لأقومنّ، و يلزم الإضافة إلى الظاهر و المضمر مع اللام و دونها. و للنحاة فيه كلام منتشرة لا نطوّل بذكره، و يجوز إدخال الباء عليه كقوله [من الوافر]:
١٠٧- رقيّ بعمركم لا تهجرينا
و منّينا المني ثمّ امطلينا [١]
حذف خبر المبتدإ جوازا:
و اعلم أنّ المصنّف لو أخّر ذكر هذه المسائل بعد الخبر لكان أولى كما فعله جميع المصنّفين، إذ قد تعرّض لذلك هنا، فلنتمّم الفائدة بذكر حذف الخبر جوازا و حذف المبتدأ جوازا و وجوبا.
أمّا حذف الخبر جوازا فعند قيام القرينة، نحو: قولك بعد الاستفهام عن المخبر عنه:
زيد، لمن قال: من عندك، أي عندي زيد، و العطف عليه، نحو: زيد قائم و عمرو، قال تعالى: أُكُلُها دائِمٌ وَ ظِلُّها [الرعد/ ٣٥] أي دائم، و في غير ذلك، نحو: وَ طَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ ... وَ الْمُحْصَناتُ [المائدة/ ٥] أي حلّ لكم.
[١] - هو لعبيد اللّه بن قيس الرقيات. اللغة: رقّي: ترخيم رقية، و هي امرأة كان يتغزل بها الشاعر، لا تهجرينا:
لا تتركينا.