الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية - المدني، عليخان بن احمد - الصفحة ٧٣١
معمول للأوّل، فحقّه أن يليه، نحو: قام و ضربتهما أخواك، و قام و مررت بهما أخواك، و بعضهم يجير الحذف هنا أيضا كقول عاتكه بنت عبد المطّلب [من مجزوء الكامل]:
٨١٤- بعكاظ يعشي الناظرين
إذا هم لمحوا شعاعه
و هو ضرورة عند الجمهور، لأنّ في الحذف تهيأة العامل للعمل، و قطعه بغير معارض، فيضمر وجوبا.
«إلا أن يمنع» الإضمار، فيتعيّن الإظهار، و ذلك إذا كان المفعول خبرا عمّا يخالف المفسّر، و هو المتنازع فيه في الإفراد و فرعيه و التذكير و ضدّه، لكن المصنّف لا يسلم أن تكون المسالة حينئذ من باب التنازع، و لذلك قال: «و ليس منه نحو: حسبني و حسبتهما منطلقين الزيدان منطلقا، كما قاله بعض المحقّقين» خلافا لمن قال: إنّه منه، و إنّ حسبني و حسبتهما تنازعا منطلقا، و اعمل فيه حسبني، فوجب إظهار المفعول الثاني لحسبتهما، و هو منطلقين لامتناع إضماره، لأنّه إن أضمر مفردا ليطابق مرجعه خالف المفعول الأوّل، و إن أضمر مثنّى ليطابق المفعول الأوّل، إذ هما مبتدا و خبر في الأصل، خالف مرجعه، و لا يجوز ارتكاب الحذف فيه لكونه ثاني مفعولي حسبت، و هو محذور كما عرفت.
و أجازه الكوفيّون لدلالة منطلقا عليه، فيقولون: حسبني و حسبتها الزيدان منطلقا، و أجازوا إضماره أيضا مقدّما على وفق المخبر عنه، فيقولون: حسبني و حسبتهما إيّاه الزيدان منطلقا، وجه كونه ليس من التنازع، كما ذهب إليه المصنّف تبعا لجماعة من المحقّقين منهم ابن هشام و صاحب الوافي إلى أنّ العاملين لا يتوجّهان إلى أمر واحد، لأنّ الأوّل يقتضي مفعولا مفردا و الثاني مفعولا مثنّى، فانتقي شرط التنازع، و هو كون المتنازع مطلوبا لكلّ من العاملين من حيث المعنى، فينتفي التنازع ضرورة.
و ما قيل: من أنّهما تنازعا ذاتا متّصفة بالانطلاق من غير نظر إلى كونها مفردة أو مثنّاة ليس بشيء، لأنّ التنازع لا يكون في مبهم، كذا قيل. و الأولى أن يقال: إنّ التنازع فيه صحيح، لكن باعتبار كون منطقا مثلا في نحو المثال المذكور مفعولا ثانيا مع قطع النظر عن كونه مفردا أو مثنّى، و أنت لا تنطق به مفردا إلا بعد الحكم به للأوّل و لا مثنّى إلا بعد الحكم به للثاني، و إذا نطقت به مفردا بطل كون الثاني بطلبه، و من هنا ظهر
[١] - اللغة: عكاظ: موضع كانت فيه سوق مشهورة، يجتمع فيها العرب للتجارة و المفاخرة، يعشي: مضارع من الإعشاء، و أصله العشاء و هو ضعف البصر ليلا، لمحوا: ماض من اللمح و هو سرعة إبصار الشيء، الشعاع: ما تراه من الضوء مقبلا عليك كأنّه الجبال.
[٢] - الوافي في نحو لمحمد بن عثمان بن عمر البلخي، شرحه الشيخ الدمامينيّ المتوفى سنة ٨٣٨ ه و سمّاه المنهل الصافي، كشف الظنون ٢/ ١٩٩٨.