الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية - المدني، عليخان بن احمد - الصفحة ٢٤٢
خلاف الأصل. قال الجمهور لم يعملها الحجازيّون مطلقا، بل بشرط اجتماع ثلاثة أمور فيهما معا سوى ما ينفرد به كلّ منهما كما سيأتي.
أحدها: بقاء النفي، أي نفي خبرهما، لأنّ عملهما أنّما كان لأجل النفي الّذي شابهتا ليس به، فكيف يعملان مع زوال المشابهة بانتقاض النفي، و لذلك وجب الرفع في نحو: وَ ما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ [القمر/ ٥٠]، وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ [آل عمران/ ١٤٤] و لا رجل إلا قاعد، و ما زيد إلا فعله حسن. و أما قوله [من الطويل]:
١٧٠- و ما الدّهر إلا منجنونا بأهله
و ما صاحب الحاجات إلا معذّبا [١]
فمن باب ما زيد إلا سيرا، و التقدير إلا يدور دوران منجنون، و يعذّب معذّبا أي تعذيبا.
و قال ابن مالك: أنّه تكلّف على أنّ سيبويه لا يرى أنّ صيغة المفعول تكون بمعنى المصدر، قال: و الأولى أن يجعل منجنونا و معذّبا خبرين منصوبين بما إلحاقا لها بليس، قال: و أقوي من هذا قول الآخر [من الوافر]:
١٧١- و ما حقّ الّذي يعثو نهارا
و يسرق ليله إلا نكالا [٢]
و لأجل هذا الشرط وجب الرفع في المعطوف ببل و لكن على الخبر، نحو: ما زيد قائما بل أو لكن قاعد، على أنّه خبر مبتدأ محذوف، و لم يجز نصبه بالعطف، لأنّه موجب.
تنبيهات: الأوّل: تعبيره ببقاء النفي و إن كان أولى من تعبير بعضهم بعدم انتقاض النفي بإلا لشموله الانتقاض بلمّا الاستثنائيّة [٣]أيضا كما رأيت، إلا أنّه يرد عليه انتقاض النفي بالنسبة إلى معمول الخبر دون نفس الخبر، نحو: ما زيد قائما إلا في الدار، فإنّ النفي في ذلك يصدق عليه أنّه قد انتقض، مع أنّ النصب واجب باجماع، فتدبّر.
الثاني: إذا انتقض النفي بكلمة غير نحو: ما زيد غير قائم، فالفرّاء يجيز النصب، و البصريّون يوجبون الرفع.
الثالث: ما ذكر من وجوب الرفع مطلقا في الخبر المنتقض نفيه هو قول الجمهور. و الثاني جواز النصب مطلقا و هو قول يونس، و الثالث جواز النصب بشرط كون الخبر وصفا و هو قول الفرّاء [٤]، و الرابع جواز النصب بشرط كون الخبر مشبّها به و هو قول بقية الكوفيّين، قاله في التصريح.
[١] - البيت لأحد بني سعد، اللغة: المنجنون: الدولاب الّذي يستقي عليه.
[٢] - البيت لمغلس بن لقيط. اللغة: يعثو: يفسد أشدّ الإفساد، النّكال: العقاب.
[٣] - سقط الاستثنائية في «س».
[٤] - في «س» سقط من الثاني حتى هنا.