الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية - المدني، عليخان بن احمد - الصفحة ٥٦٤
و قال الرضيّ و الشاطبيّ: و الظاهر مذهب البصريّين لما ثبت عن العرب أنّها إذا أرادت التوكيد أتت بالضمير المرفوع المنفصل، فقال: جئت أنت، و رأيتك أنت، و مررت بك أنت، و إذا أرادت البدل، وافقت بين التابع و المتبوع، فقال: جئت أنت و رأيتك إيّاك، و مررت به به، فيتّخذ لفظ التوكيد و البدل في المرفوع، و يختلف في غيره، هكذا نقل سيبويه عن العرب، و تلقاه منه غيره بالقبول، و هم المؤتمنون على ما ينقلون، لأنهم شافهوا العرب، و عرفوا مقاصدهم، فلا يعارض هذا بقياس، انتهى.
و أمّا نحو: أجبت زيدا إيّاه، فقال ابن مالك: الصحيح عندي أنّه لم يستعمل في كلام العرب نثره و نظمه، فلو استعمل لكان توكيدا لا بدلا، و قال ابن هشام:- و في ما قاله نظر- لأنّه لا يؤكّد القويّ بالضعيف، و قد قالت العرب: زيد هو الفاضل، و جوّز النّحويّون في هو أن يكون بدلا، و أن يكون مبتدأ، و أن يكون فضلا، انتهى. و ظاهر إيراد قوله: و قد قالت العرب إلى آخره في سياق الردّ على ابن مالك أنّ فيه ردّا عليه، و فيه بحث.
تكميل: يوافق البدل متبوعه في واحد من أوجه الإعراب مطلقا، و كذا في واحد من التذكير و الافراد و ضدّيهما إن كان بدل كلّ، ما لم يمنع مانع ككون أحدهما مصدرا نحو: مَفازاً* حَدائِقَ وَ أَعْناباً [النباء/ ٣٢ و ٣١] أو قصد به التفضيل كقوله [من الطويل]:
٥٩٦- و كنت كذي رجلين رجل صحيحة
و رجل رمى فيها الزّمان فشلّت [١]
و يخالفه في التعريف و التنكير، فتبدل المعرفة من المعرفة، و النكرة من النكرة و من المعرفة، لكن إن اتّحد اللفظ في إبدال النكرة من مثلها اشترط أن يكون مع الثاني زيادة بيان كقراءة يعقوب [٢] وَ تَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا [الجاثية/ ٢٨] بنصب كلّ الثانية، فإنّها قد اتّصل بها ذكر سبب الجثو.
و لا يشترط في إبدال النكرة من المعرفة اتّحاد اللفظ، و لا أن تكون النكرة موصوفة خلافا للكوفيّين بشهادة السماع بخلافه كقوله [من الوافر]:
٥٩٧- فلا و أبيك خير منك أنّي
ليؤذيني التحمحم و الصهيل [٣]
[١] - هو لكثير عزة. اللغة: شلّ العضو: أصيب بالشّلل، أو يبس فيطلت حركته أو ضعفت.
[٢] - يعقوب بن إسحاق كان أعلم الناس في زمانه بالقراءات و العربية، له قراءة مشهورة به، و هي إحدى القراءات العشر، مات سنة ٢٠٥ ه ق. بغية الوعاة ٢/ ٣٤٨.
[٣] - هو لشمير بن الحارث. اللغة: التحمحم: صوت الفرس إذا طلب العلف، الصهيل: صهيل الفرس، صوته مطلقا، فهو من عطف العامّ على الخاصّ.