الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية - المدني، عليخان بن احمد - الصفحة ٢٣٨
التوارد، لأنّ إنّ و أخواتها لا تعمل في الخبر شيئا عند الكوفيّين كما مرّ، لكن اشترط الفرّاء خفاء الإعراب، نحو: إنّك أو إنّ الفتى و زيد ذاهبان، و لم يخصّص ذلك بالثلاثة، بل عمّمه في السّتة تمسّكا بقوله [من الرجز]:
١٦٧- يا ليتني و أنت يا لميس
في بلد ليس بها أنيس [١]
و خرّج على أنّ الاصل: و أنت معي، و الجملة حالية.
تنبيهات: الأوّل: محلّ الخلاف في رفع الاسم قبل مضيّ الخبر أنّما هو حيث يتعيّن كون الخبر للاسمين، نحو: إنّك و زيد ذاهبان، و أمّا نحو: إنّ زيدا و عمرو في الدار فجائز باتّفاق، نبّه عليه ابن هشام في شرح «بانت سعاد» [٢]قال: و هذا موضع يكثر فيه الوهم.
الثاني: جواز رفع تإلى العاطف فيما مرّ و نحوه متّفق عليه، و اختلف في تخريجه، فقيل: هو معطوف على محلّ اسم إنّ، كما ذكره المصنّف، و هو قول نقله ابن هشام عن بعض البصريّين و أبو حيّان في الإرتشاف عن الكوفيّين و الجرمي [٣]و الزّجاج، و جرى عليه ابن حاجب و ابن مالك و شرّاح كلامهما، و قيل: هو مبتدأ محذوف الخبر، و قيل:
معطوف على ضمير الخبر، و هذان الوجهان لا خلاف في تخريجه عليهما.
و أمّا الأوّل فادّعى ابن مالك أنّه لا خلاف فيه أيضا، و نوزع في ذلك، قال أبو حيّان: اتّفقوا على جواز الرفع بعد مضيّ الخبر، و اختلفوا على ما ذا يرفع، و ذهب سيبويه و الجرميّ و أجازه أصحابنا أنّه على المبتدأ، و الخبر محذوف لدلالة ما قبله عليه و يتعيّن ذلك فيه، و ذهب أبو الحسن و المبرّد و الفارسيّ إلى أنّه معطوف على الموضع، فقيل: موضع اسم إنّ، و قيل: موضعها مع اسمها.
و نقل النحاس عن الفرّاء و الطّوال أنّه إنّما يرتفع بالعطف على الضمير المستتر في خبر الأوّل، و من قال بشيء من هذه الأقوال لم يمنع القول بالابتداء، قال: فدعوى ابن مالك الإجماع على جواز رفع المعطوف على اسم أنّ و لكنّ باطلة لما ذكرنا من مذهب سيبويه و أصحابنا، انتهى.
و الحقّ الّذي عليه المحقّقون المنع من رفع المعطوف على محلّ الاسم مطلقا، سواء كان مضي الخبر أم لم يمض، خفي الإعراب، أم لم يخف، و ذلك لأنّ للعطف على المحلّ عندهم ثلاثة شروط:
[١] - هو للعجّاج أو لرؤبة.
[٢] - قصيدة «بانت سعاد» أو «البردة» لكعب بن زهير شاعر العصر الاسلامي (ت ٢٤ ه) مدح بها النبي (ص) في مسجد المدينة.
[٣] - صالح بن إسحاق أبو عمر الجرمّي البصري، كان فقيها عالما بالنحو و اللغة، له من التصانيف: التنبيه، مختصر في النحو، غريب سيبويه، مات سنة ٢٦٥ ه. بغية الوعاة ٢/ ٨.