الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية - المدني، عليخان بن احمد - الصفحة ٦٩٠
الخلاف بعد إسنادهما إلى الفاعل، فالبصريّون يقولون: نعم الرجل و بئس الرجل جملتان فعليتان، و الكسائيّ يقول: هما اسمان محكيّان بمترلة تأبّط شرّا، فنعم الرجل عنده اسم للمدوح، و بئس الرجل اسم للمذموم، و هما في الأصل جملتان نقلتا عن أصلهما، و سمّي بهما.
و الفرّاء يقول: الأصل في نعم الرجل زيد، و بئس الرجل عمرو، رجل نعم الرجل زيد و رجل بئس الرجل عمرو، فحذف الموصوف الّذي هو رجل، و أقيمت الصفة الّتي هي الجملة من نعم و بئس و فاعلهما مقامه، فحكم لها بحكمه، فنعم الرجل، و بئس الرجل رافعان لزيد و عمرو، كما لو قلت: ممدوح زيد، و مذموم عمرو، كذا في التصريح. و قال ابن هشام في البهجة المرضية: الخلاف في فعلية نعم و بئس قد نقله الأصحاب في مسائل الخلاف، انتهى.
و الصحيح أنّهما فعلان جامدان للزومهما إنشاء المدح و الذّمّ على سبيل المبالغة، فنقلتا عمّا وضعتا له من الدلالة على المضي، و صارتا للإنشاء، فنعم منقولة من قولك:
نعم الرجل، إذا أصاب نعمة، و بئس منقولة من قولك: بئس الرجل إذا أصاب بؤسا.
«و ساء» بالمدّ و هي ملحقه ببئس، فإنّها في الأصل سوء بالفتح، فحوّلت إلى فعل بالضّمّ، فصارت فعلا قاصرا، ثمّ ضمّنت معنى بئس، فمنعت التصرّف. و كلّ فعل ثلاثيّ صالح للتعجّب منه، فإنّه يجوز استعماله على فعل بضمّ العين، إمّا بالإصالة كظرف و لؤم، أو بالتحويل من مفتوح العين أو مكسورها كضرب و فهم، ثمّ يجري مجرى نعم و بئس في إفادة المدح و الذّمّ و في حكم الفاعل و حكم المخصوص الآتي بيانه، و استثني الكسائيّ علم و جهل و سمع، فلا يجوز تحويلها إلى فعل بل استعمل استعمالة باقية على حالها.
فاعل أفعال المدح و الذمّ:
«و كلّ» منها أي من نعم و بئس و ساء و مثلها ما جري مجراها يرفع فاعلا مظهرا معرّفا بأل، نحو: نِعْمَ الْمَوْلى [الأنفال/ ٤٠]، وَ لَبِئْسَ الْمِهادُ [البقرة/ ٢٠٦]، و ساء الرجل أبو جهل، و فهم الرجل زيد، و خبث الرجل عمرو.
و اختلف في أل هذه، فقال الجمهور: هي جنسيّة، ثمّ اختلفوا، فقيل: للجنس حقيقة. فالجنس كلّه ممدوح أو مذموم، و المخصوص مندرج تحته، لأنّه فرد من أفراده، ثمّ نصّ عليه، كما ينصّ على الخاصّ بعد العامّ الشامل له و لغيره، و هو المشهور، و نقله ابن أياز في شرح الفصول عن أبي على و عبد القاهر الجرجانيّ، و نسب إلى سيبويه، و