الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية - المدني، عليخان بن احمد - الصفحة ٧٦٢
أمّا العطف على الجملة نفسها فجائز، سواء كان المعطوف مفردا أو جملة، فإذا كان مفردا انتصب لفظا، نحو: قال إمّا زيد قائم، أو لفظا آخر، و إذا كان جملة انتصب محلا كما سيأتي.
الخامس: قال ابن هشام: من الجمل المحكية ما قد يخفى، فمن ذلك بعد القول:
فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ [الصافات/ ٣١]، و الأصل إنّكم لذائقون عذابي، ثمّ عدل إلى التّكلّم، لأنّهم تكلّموا عن أنفسهم، كما قال [من الطويل]:
٨٣٧- أ لم تر أنّي يوم جوّ سويقة
بكيت فنادتني هنيدة ماليا [١]
و الأصل مالك، و منه في المحكية بعد ما فيه معنى القول: أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ* إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ [القلم/ ٣٨/ ٣٧]، أي تدرسون فيه هذا اللفظ، و تدرسون قولنا هذا الكلام، و ذلك إمّا أن يكونوا خوطبوا بذلك في الكتاب على زعمهم، أو الأصل: إنّ لهم لما تخيّرون، ثمّ عدل إلى الخطاب عن مواجهتهم.
السادس: قد تقع الجملة بعد القول غير محكية، و هي نوعان:
محكية بقول آخر محذوف، كقوله تعالى: فَما ذا تَأْمُرُونَ [الأعراف/ ١١٠]، بعد قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ [الأعراف/ ١٠٩]، لأنّ قولهم تمّ عند قوله: مِنْ أَرْضِكُمْ [الأعراف/ ١١٠]، ثمّ التقدير: فقال فرعون: بدليل قوله: قالُوا أَرْجِهْ وَ أَخاهُ [الأعراف/ ١١١]، و قول الشاعر [من الرجز]:
٨٣٨- قالت له و هو بعيش ضنك
لا تكثري لومي و خلّي عنك [٢]
التقدير قالت له: أتذكر قولي لي، إذا لومك في الإسراف في الإنفاق، لا تكثري لومي، فحذف المحكيّة بالمذكور، و أثبت المحكية بالمحذوف.
و غير محكية، و هي نوعان دالّة على المحكية كقولك: قال زيد لعمرو في حاتم:
أتظنّ حاتما بخيلا، فحذف المقول، و هو حاتم بخيل مدلولا عليه بجملة الإنكار الّتي هي من كلامك [٣]دونه، و غير دالّة عليها نحو: وَ لا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً [يونس/ ٦٥].
و الثانية: أن يقع مفعولا في باب ظنّ و أعلم، فتقع «مفعولا ثانيا لباب ظنّ»، نحو: ظننت زيدا يقرأ، فجملة يقرأ من الفعل و فاعله المستتر فيه في موضع نصب على أنّها المفعول الثاني لظنّ، و وقوعها مفعولا في هذا الباب كوقوعها خبرا في باب كان، و
[١] - البيت للفرزدق. اللغة: جوّ سويقة: اسم موضع.
[٢] - لم يذكر قائله. اللغة: الضنك: الضيّق من كلّ شي (يستوي فيه المذكّر و المونث)، خلّي: ابعدي عنّي.
[٣] - من كلامك سقط في «ح».