الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية - المدني، عليخان بن احمد - الصفحة ٦٨٦
لا تكفر تدخل إلنار، و لا يجوز أن يكون التقدير: إن تكفر تدخل النّار، لأنّ المقدّر يجب أن يكون مثل المظهر نفيا و إثباتا.
هذا مذهب سيبويه و أكثر البصريّين، و خالف الكسائيّ في ذلك، قيل: بل الكوفيّون قاطبة، فأجازوا الجزم في نحو المثال المذكور بتقدير إن تكفر بغير نفي، و احتجّوا بالقياس على النصب، نحو: لا تكفر فتدخل النار، و في التتريل: لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ [طه/ ٦١]، و بقوله: لا ترجعوا بعدي كفّارا يضرب بعضكم رقاب بعض، و قوله (ع) من أكل من هذه الشجرة فلا يقرب مسجدنا يوذنا، و قول أبي طلحة للنبي (ص) لا تشرف يصبك سهم، و يروي لا تطاول يصبك.
و أجاب البصريّون بأنّه لو صحّ القياس على النصب لصّح الجزم بعد النفي قياسا على النصب و يضرب مدغم، و يؤذنا بدل من يقرب، و يصبك بدل من تشرف أو تطاول. قال في التصريح: و في ردّ القياس نظر، فإنّهم قائلون بجواز الجزم بعد النفي، نحو: ما تأتينا تحدّثنا، انتهى.
تنبيهات: الأولّ: ظاهر كلامهم أنّ الخلاف بين الجماعة و الكسائيّ معنويّ، و قال بعض المحقّقين من شرّاح الكافية: الأظهر أنّ الخلاف لفظيّ لا معنويّ، فالجمهور نفوا صحّة تقدير المثبت بمجرّد وقوعه بعد النهي، و الكسائيّ أثبتها عند قيام قرينة تقدير المثبت، و لا نزاع للجمهور في هذه الصحّة، و كيف ينازع في حذف الشرط لقرينة كما لا نزاع له في أنّ سبق النهي لا يستدعي تقدير المثبت.
و في المغني لابن هشام قال الجمهور: لا تدن من الأسد يأكلك، بالجزم لأنّ الشرط المقدّر إن قدّر مثبتا، أي فإنّ تدن لم يناسب فعل النهي الّذي جعل دليلا عليه، و إن قدّر منفيّا، أي فإن لا تدن فسد المعنى، بخلاف لا تدن من الأسد تسلم، فإنّ الشرط المقدّر منفيّ، و ذلك صحيح في المعنى و الصناعة، و عن الكسائيّ في إجازته الجزم إنّه يقدّر الشرط مثبتا مدلولا عليه بالمعنى لا باللفظ ترجيحا للقرينة المعنويّة على القرينة اللفظيّة، و هذا وجه حسن، إذا كان المعنى مفهوما.
الثاني: لا في نحو: إن لا تكفر تدخل الجنّة نافية، كما جزم به المراديّ و ابن هشام و غيرهما، قيل: و ظاهر قول ابن مالك في الألفيه [من الرجز]:
٧٤٠- و شرط جزم بعد نهي إن تضع
إن قيل لا دون تخالف يقع
[١] - صحيح مسلم، ١/ ٨٤، رقم ٦٦.
[٢] - سنن ابن ماجه، ص ٢٤٦، رقم ١٠١٦.
[٣] - أبو طلحه زيد بن سهل بن الأسود الأنصاري، صحابيّ، و كان جهير الصوت، و في الحديث: لصوت أبي طلحه في الجيش خير من ألف رجل، مات سنة ٣٤ ه. الأعلام للرزكلي، ٣/ ٩٧.