الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية - المدني، عليخان بن احمد - الصفحة ١٩٩
الغالب، فيجعل المطلوب بالحكم عليه خبرا، و الآخر مبتدأ، كقول ابي تمام [١]في صفة القلم [من الطويل]:
١١٢- لعاب الأفاعي القاتلات لعابه
و أري الجنى اشتارته أيد عواسل [٢]
و كان على مقتضى القاعدة أن يقال: لعابه لعاب الأفاعي، إذ المقصود تشبيه مداد قلم الممدوح بالسّم في حقّ الأعداء، و بالعسل في حقّ الأولياء.
و هذا ممّا أجاب عنه البيانيّون بأنّه من التشبيه المعكوس، فيكون المقدّم مبتدأ، فلا نقص به على القاعدة.
قال ابن هشام: و هو ضعيف، لأنّه نادر الوقوع، مخالف للأصول، أللهمّ إلا أن اقتضي المقام المبالغة. و إلى ندوره أشار المصنّف بأنّ العدول إليه من غير الغالب لمخالفته القاعدة.
و أمّا النّحويّون فيجعلونه من باب تقديم الخبر على المبتدإ جوازا لحصول القرينة المميّزة بين المبتدإ و الخبر، فنحو ذلك عندهم جايز كثير الاستعمال، و مثله قول الآخر [من الطويل]:
١١٣- بنونا بنو أبنائنا و بناتنا
بنوهنّ أبناء الرّجال الأباعد [٣]
فبنونا خبر مقدّم، و بنو أبنائنا مبتدأ مؤخّر، لأنّ المراد الحكم على بني أبنائهم بأنهم مثل بينهم لا عكسه. و كان الأولى بالمصنّف أن يقتضي أثر النّحويّين، لأنّ كتابه في النحو لا في البيان.
تنبيه: ما ذكره من القاعدة هي طريقة أهل البيان، و هو المشهور عند النّحويّين عند انتفاء القرينة، و قيل: يجوز تقدير كلّ منهما مبتدأ و خبرا مطلقا، لحصول الفائده للسامع، قدّم الخبر، أو أخّر، و قيل: إن كان أحدهما مشتقّا و الآخر اسما نحو: الفاضل زيد، تعيّن المشتقّ للخبريّة و إن تقّدم، و الاسم للابتدائية و إن تأخّر، لأنّ معنى المبتدإ المنسوب إليه، و معنى الخبر المنسوب، و الذات هي المنسوب إليه، و الصفة هي المنسوب، و هو قول الفخر الرازيّ.
و أجيب بأنّ المعنى الشخص الّذي له الصّفة صاحب هذا الاسم فتصير الصّفة دالّة على الذات و مسندا إليها، و الاسم دالّ على الصفة و مسندا، و قيل: إن كان أحدهما
[١] - حبيب ابن أوس المعروف بأبي تمّام ولد سنة ١٨٠ ه و توفّي سنة ٢٢٨ من شعراء العصر العباسي الأول.
[٢] - اللغة: اللعاب: ما يسيل من الفم، الأري: العسل، اشتارته: استخرجته عواسل: جمع عاسلة، أي:
مستخرجة العسل.
[٣] - نسب هذا البيت إلى الفرزدق و إلى عمر بن الخطاب، و قال قوم لا يعلم قائلة، مع شهرته في كتب النحاة و أهل المعاني.