الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية - المدني، عليخان بن احمد - الصفحة ٢٨٤
فيكون حقا، و لأن يكون مضمونها غير ثابت في الواقع، فيكون غير حقّ، فلمّا جاء المصدر المذكور صارت به نصّا في الحقيقة و سمّي مؤكّدا لغيره لأنّه يجعل ما قبله نصّا، بعد أن كان محتملا، فهو مؤثّر، و المؤكّد متأثّر، و المؤثّر غير المتأثّر، و إنّما وجب الحذف في هاتين الصورتين لوجود القرينة، و هي نصب المصدر فيهما لإشعاره بالمحذوف، و سدّ الجملتين فيهما مسدّه، و المناسبة ظاهرة.
تنبيه: الأصحّ كما في التسهيل منع هذين المصدرين، فلا يقال اعترافا له على ألف، و لا حقّا زيد قائم، لأنّ العامل فيهما فعل مقدّر يفسّره مضمون الجملة، أي اعترفت بذلك اعترافا، و أحقّه حقّا، و لا يتأتّى ذلك إلا بعد تمام الجملة، قال الرضيّ: و أنا لا أرى بأسا بارتكاب كون الجملتين بأنفسهما عاملتين في المصدرين لأفادتهما معنى الفعل، فلا يتقدّم المصدران لضعف العامل، و لا يكونان إذن من هذا الباب.
و منها ما وقع محصورا فيه بإلا أو بإنّما أو مكرّرا بعد اسم لا يصلح خبرا عنه، فالأوّل نحو: ما أنت إلا سيرا، و إنّما أنت سيرا، و الثاني نحو: زيد سيرا سيرا، و التقدير ما أنت إلا تسير سيرا، و إنّما أنت تسير سيرا، و زيد يسير سيرا، و قد يجئ ذلك معرّفا نحو: ما أنت إلا سير البريد، و زيد السير السير، فالاسم الّذي جاء بعده المصدر في هذه الأمثلة اسم عين، و المصدر لا يصلح أن يكون خبرا عنه، فوجب الحذف في ذلك كلّه للقرينة الّتي هي نصب المصدر لإشعاره بالمحذوف كما مرّ مع عدم صلاحيته للخبريّة لو رفع، و قيام إلا و إنّما في الأوّل و طرفي التكرير في الثاني مقام المحذوف بشهادة أنّ الأوّل لو أقيم لم يكن ثمّ داع إلى التكرير في الإقامة، و إنّما قامت إلا، و إنّما مقامه لما في الحصر من التاكيد القائم مقام التكرير.
فإن لم يكن المصدر محصورا و لا مكرّرا لم يجب الحذف، نحو: أنت تسير سيرا، و ان شيءت حذفت، فقلت: أنت سيرا، و لو كان العامل خبرا عن اسم معنى لم يحتج إلى إضمار فعل، بل يتعيّن رفع المصدر على الخبريّة، نحو: إنّما سيرك سير البريد، بخلاف كونه خبرا عن اسم عين كما تقدّم.
و علّل الرضيّ وجوب الحذف في هذه الصورة بأنّ المقصود من مثل هذا الحصر و التكرير وصف الشيء بدوام حصول الفعل منه و لزومه و وضع الفعل على الحدوث و التجدّد، و إن كان المضارع يستعمل في بعض المواضع للدوام أيضا، نحو: اللّه يقبض و يبسط، و ذلك أيضا لمشابهته لاسم الفاعل الّذي لا دلالة فيه وضعا على الزمان، فلمّا كان المراد التنصيص على الدوام و اللزوم، لم يستعمل العامل أصلا، لكونه إمّا فعلا و هو موضوع على التجدّد، أو اسم فاعل، و هو مع العمل كالفعل لمشابهته، فصار العامل