الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية - المدني، عليخان بن احمد - الصفحة ٥٨٠
و إعماله منوّنا أقيس من إعماله مضافا و بأل، لأنّه يشبه الفعل حينئذ في التنكير، نحو: أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً [البلد/ ١٤]، و منعه الكوفيّون، و قالوا: العمل بعده للفعل، و قدّروا يطعم يتيما.
« إعماله مع اللام ضعيف» في القياس لبعده عن مشابهة الفعل باقترانه بأل، و هو قليل في الاستعمال أيضا، فلذلك لا يعمل عند بعضهم إلا في الشعر «كقوله» أي الشاعر يصف رجلا بضعف الراي [من المتقارب]:
٦١٣- «ضعيف النّكاية أعداءه»
يخال الفرار يراخي الأجل [١]
فالنكاية مصدر مقرون بأل، و فاعله محذوف، و أعداؤه مفعوله، و المعنى ضعيف نكايته أعداءه، يظنّ أنّ الفرار من الموت يباعد الأجل، فلا يحارب أعداءه حبّا للسلامة و حذرا من العطب [٢]و في التتريل: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ [الجمعة/ ٨]، و ما أحسن قول العميد فخر الكتاب مؤيّد الدين الطغرايي [٣] [من البسيط]:
٦١٤- حبّ السلامة يثني همّ صاحبه
عن المعإلى و يغري المرء بالكسل
و إن جنحت إليه فاتّخذ نفقا
في الأرض أو سلّما في الجوّ فاعتزل
و دع غمار العلى للمقدمين على
ركوبها و اقتنع منهنّ بالبلل [٤]
و حكى المراديّ في شرح التسهيل في إعمال المصدر مع أل أربعة مذاهب: أحدها الجواز، و هو مذهب الخليل و سيبويه. الثاني: المنع، و هو مذهب الكوفيّين و بعض البصريّين. الثالث: جوازه على قبح، و هو مذهب الفارسيّ، و جماعة من البصريّين.
الرابع: التفصييل بين أن تكون أل معاقبة للضمير، فيجوز نحو: إنّك و الضرب خالدا المسئ إليه، أي إنّك و ضربك خالدا، أو لا تكون معاقبة له، فلا يجوز نحو: عجبت من الضرب عمرا، و هو مذهب ابن طلحة و ابن طراوة.
قال الشيخ أثير الدين: و هذا المذهب هو الصحيح، و استدلّ بأنّ أل في الشواهد الّتي ذكروها معاقبة للضمير، و من منع إعماله مطلقا قدّر لما يقع بعده من منصوب ناصبا يدلّ عليه المصدر، فيقدّر في قوله [من المتقارب]:
٦١٥- ضعيف النكاية أعداءه
... [٥]
[١] - لم يسمّ قائله. اللغة: النكاية: مصدر نكيت في العدو، إذا أثرت فيه، يخال: يظنّ، يراخي: يؤجل.
[٢] - العطب: الهلاك.
[٣] - هو مؤيد الدين الاستاذ العميد فخر الكتّاب آخر فحول المشرق في الشعر، و من شعره لامية العجم المشهورة، قتل في فتنة سياسية سنة ٥١٣ ه. احمد الاسكندري و الآخرون، المنتخب من أدب العرب، الجزء الثاني، لاط، المطبعة الاميرية بالقاهرة، ١٩٥١ م، ص ١٦.
[٤] - اللغة: الهم: العزم، يغري: يولع، غمار: جمع غمرة و هو الماء الكثير، البلل: التندية.
[٥] - تقدّم برقم ٦١٣.