الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية - المدني، عليخان بن احمد - الصفحة ٢١٥
لانتفاء الجزم، و نحو: وَ تَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ [يوسف/ ٩]، لأنّ جزمه بحذف النّون، فلم تحذف، لأنّها محرّكة في الأولين بحركة الأعراب، و في الثالث بحركة المناسبة فتعاصت عن الحذف بخلاف ما إذا كانت ساكنة، فإنّها شبيهة بأحرف المدّ و اللين في سكونها و امتداد الصوت بها، فتحذف كما يحذفن بجامع أنّها تكون إعرابا مثلهنّ، و تحذف للجازم كما يحذفن.
و اختصاص كان بذلك «بشرط عدم اتّصاله» أي اتّصال نون مضارعها المجزوم «بضمير نصب و لا» بحرف «ساكن و من ثمّ» بفتح المثلثة و تشديد الميم إشارة إلى المكان الاعتباريّ، أي و من أجل اعتبار الشرط المذكور «لم يجز» حذف نون مضارع كان المجزوم بالسكون في نحو قوله عليه الصلاة و السّلام لعمر لما طلب أن يقتل ابن الصياد حين أخبر بأنّه الدّجال: إن يكنه فلن تسلّط عليه و إلا يكنه فلا خير لك في قتله [١]، لاتّصاله بالضمير المنصوب. و الضمائر تردّ الأشياء إلى أصولها، فلا يحذف معهما بعض الأصول.
و لا في نحو قوله تعالى: لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ [النساء/ ١٣٧]، لاتّصاله بالساكن، و هو لام التعريف، فالنون مكسورة لأجله فهي متعاصية لقوتها بالحركة، و خالف يونس في هذا فأجاز الحذف تمسّكا بقوله [من الطويل]:
١٣١- إذا لم تك الحاجات من همّة الفتى
فليس بمغن عنك عقد الرتائم [٢]
و قوله [من الطويل]:
١٣٢- فإن لم تك المرآةء أبدت وسامة
فقد أبدت المرآة جبهة ضيغم [٣]
و وافقه ابن مالك، و حمله الجماعة على الضرورة، كقوله [من الطويل]:
١٣٣- فلست بآتيه و لا أستطيعه
و لاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل [٤]
تنبيهان: الأوّل: زاد ابن هشام في الجامع الصغير [٥]و القطر [٦]اشتراط كون المضارع المذكور مستعملا في الوصل دون الوقف، و قال في شرح القطر: نصّ عليه ابن خروف، و هو حسن، لأنّ الفعل الموقوف عليه إذا دخله الحذف حتى بقي على حرف واحد أو حرفين، وجب الوقف عليه بها السكت، كقولك: عه، و لم يعه، فلم يك بمترلة لم يع،
[١] - صحيح البخاري ٢/ ٤٩٢ برقم ١٢٣١.
[٢] - لم يذكر قائله. اللغة: الرتائم: جمع رتيمة بمعنى الرّتمة و هو خيط يشدّ في الاصبع أو الخاتم للعلامة أو التذكّر.
[٣] - هو للخنجر بن صخر الأسدي، اللغة: الوسامة: أثر الحسن و الجمال، الضيغم: الاسد الواسع الشّدق (ج) ضياغم.
[٤] - هو للنجاشي الحارثي. اللغة: آتيه: اسم فاعل من الإتيان، و الضمير فيه و في استطيعه للطعام.
[٥] - الجامع الصغير في النحو لجمال الدين عبد اللّه بن يوسف ابن هشام النحويّ.
[٦] - قطر الندى و بل الصدي مقدمة في النحو لابن هشام.