الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية - المدني، عليخان بن احمد - الصفحة ٤٧٤
النصبين أنّ أحدهما على الحال و الثاني على التمييز، و صرّح بمثل ذلك في قوله تعالى:
فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ [البقرة/ ٢٩]، فقال: الضمير في سوّاهنّ ضمير مبهم و سبع سموات تفسيره كقولهم: ربّه رجلا، انتهى.
و ضعف كلامه بوجهين: أحدهما: إنّ الباب ليس بقياس، و إنّما حمل الضمير في ربّه رجلا على أنّه مبهم، لأنّ ربّ لا تدخل إلا على النكرات، و هذا لا يوجد في سوّاهنّ، و فيه نظر، يعلم ممّا مرّ من الكلام على تعريف هذا الضمير و تنكيره. الثاني: إنّ هذا التقدير يجعل الكلام غير مرتبط بما قبله ارتباطا كليّا، إذ يكون الكلام قد تضمّن أنّه تعالى استوى إلى السماء، و أنّه سوى سبع سموات عقب استوائه إلى السماء، فيكون قد أخبر بإخبارين: أحدهما استوائه إلى السماء، و الآخر تسوىته سبع سموات، و ظاهر الكلام أنّ الّذي استوى إليه هو بعينه المسوى سبع سموات، و فيه نظر ظاهر. «أو كان» الضمير «للشأن و القصة كما مرّ» عن قريب فليراجع إليه.
تنبيه: زاد ابن مالك في التسهيل موضعين آخرين يعود فيهما الضمير على متأخر لفظا و رتبة: أحدهما: أن يكون الضمير مخبرا عنه فيفسّره خبره، نحو: إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا [الأنعام/ ٢٩]، و قال الزمخشريّ: هذا ضمير لا يعلم ما يعني به إلا بما يتلوه، و أصله إن الحياة إلا حياتنا الدنيا، ثمّ وضع هي موضع الحياة، لأنّ الخبر يدلّ عليها و يبيّنها.
قال ابن مالك: و هذا من جيّد كلامه، و نازعه في ذلك أبو حيّان، قال: لأنّ الخبر إذا كان مضافا لشيء أو موصوفا بشيء، و جعل مفسّرا، كان المبتدأ الّذي هو ضمير عائد عليه باعتباره ما قيّد به من إضافة أو صفة، و حينئذ يصير التقدير إن حياتنا الدنيا إلا حياتنا الدنيا.
قال: و ليس في كلام الزمخشريّ دليل على ما ذهب إليه، لأنّه قال: وضع هي موضع الحياة، و لم يقل موضع حياتنا الّذي هو الخبر و قوله: لأنّ الخبر يدلّ عليها و يبيّنها، يعني سياق هذا الكلام دلّ على أنّ المفسّر هو الحياة، فيكون المفسّر إذن هو السّياق إلا الخبر، انتهى.
الثاني: أن يكون الضمير متّصلا بفاعل مقدّم مفسّره مفعول مؤخّر نحو: ضرب غلامه زيدا، و من شواهده قول حسان [من الطويل]:
٤٧٨- و لو أنّ مجدا أخلد الدّهر واحدا
من الناس أبقي مجده الدّهر مطعما [١]
[١] - تقدم برقم ٩١.