الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية - المدني، عليخان بن احمد - الصفحة ٨٣٦
ذلك، نحو: خرجت فإذا عبد اللّه القائم و القائم، فقال: كلّ ذلك بالرفع، و لا يجوز بالنصب، فقال له الكسائيّ: العرب ترفع كلّ ذلك، و تنصبه، فقال يحيى: قد اختلفتما، و أنتما رئيسا بلديكما، فمن يحكم بينكما؟ فقال له الكسائيّ: هذه العرب ببابك، قد سمع منهم أهل البلدين، فيحضرون، و يسألون، فقال يحيى و ولده جعفر: انصفت، فأحضرا، فوافقوا الكسائيّ، و استكان سيبويه، و أقبل الكسائيّ على يحيى، فقال: أصلح اللّه الأمير، إنّه وفد إليك من بلده مؤمّلا، فإن رأيت أن لا تردّه خائبا، فأمره له بعشرة الآف درهم، فخرج إلى فارس، و يقال: كانت سبب علّته الّتي مات فيها و يقال: إنّ العرب رشوا على ذلك، أو إنّهم علموا بمترلة الكسائيّ عند الرشيد، و يقال: إنّهم قالوا:
القول قول الكسائيّ، و لم ينطقوا بالنصب، و إنّ سيبويه قال ليحيى: مرهم إن ينطقوا بذلك فإنّ ألسنتهم لا تطوّع به.
و هذه حكاية عجيبة و موعظة غريبة. و للأديب أبي الحسن حازم بن محمد بن حازم [١]قصيدة طنّانة، و هي من أفراد أدباء المغرب، امتدح بها المنصور صاحب إفريقيّة أبا عبد اللّه محمد بن الأمير بن زكريّا يحيى بن عبد الواحد، و ضمنها مسائل من علم النحو، و لعلّه أتى فيها على جميع أبوابه، و الموجود منها نحو ماتين و عشرين بيتا، أجاد فيها نظم حكاية هذه الواقعة اللطيفة و أوّل القصيدة [من البسيط]:
٩٤١- الحمد للّه معلي قدر من علما
و جاعل العقل في سبل الهدى علما
ثمّ الصلاة على الهادي بسنّته
محمد خير مبعوث به اعتصما
ثمّ الدعا لأمير المومنين أبي
عبد الإله الّذي فاق الحبا كرما
خليفة خلقت أنوار عزّته
شمس الضحي و نداه بخلف الديما
سالت فواضله للمعتفي نعما
صالت نواصله بالمعتدي نقما
و منها
مردي العداة بسهم من عزائمه
كأنّه كوكب للقذف قد رجما
أدام قول نعم حتّى إذا اطردت
نعماه من غير وعد لم يقل نعما
و منها
يا أيّها الملك المنصور ملكك قد
شبّ الزمان به من بعد ما هرما
[١] - حازم بن محمد حسن بن محمد بن خلف بن حازم، شيخ البلاغة و الأدب، و أوحد زمانه في النحو و اللغة و علم البيان. صنف: سراج البلغاء في البلاغة: كتابا في القوافي. مولده سنة ٦٠٨ و مات سنة ٦٨٤، المصدر السابق ١/ ٤٩٠.