الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية - المدني، عليخان بن احمد - الصفحة ٨٤٩
« فيها» أي في مفهوم أمّا «معنى الشرط للزوم الفاء» بعدها كما مرّ، و لا جائز أن تكون الفاء للعطف لدخولها على الخبر، و لا يعطف الخبر على مبتدائه و لا زائدة، إذ لا يصحّ الاستغناء عنها، فتعيّن أنّها فاء الجزاء. و قال أبو حيّان: هذه الفاء جاءت في اللفظ خارجة عن قياسها، لأنّها لم تجئ رابطة بين جملتين و لا عاطفة مفردا على مثله، و التعليل بكون أمّا في معنى الشرط ليس بجيّد، لأنّ معنى أمّا كما قالوا مهما يكن من شيء، و جواب مهما يكن من شيء لا يلزم فيه الفاء، إذا كان صالحا لأداة الشرط، و الفاء لازمة بعد أمّا، سواء كان ما دخلت عليه صالحا لها أم لم يكن، ألا ترى أنّه يقال:
مهما يكن من شيء لم أبال به، و يمتنع ذلك في أمّا، و يجب ذكر الفاء، فدلّ على لزوم الفاء ليس لأجل ذلك، انتهى.
و قد تحذف الفاء للضرورة كقوله [من الطويل]:
٩٤٩- فأمّا القتال لا قتال لديكم
و لكنّ سيرا في عراض المواكب [١]
و يجوز حذفها في سعة الكلام إذا كان هناك قول محذوف كقوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ [آل عمران/ ١٠٦]، الأصل فيقال: لهم أكفرتم، فحذف القول استغناء عنه بالمقول فتبعته الفاء في الحذف، و ربّ شيء يصحّ تبعا، و لا يصحّ استقلالا، هذا قول الجمهور، قال ابن هشام: و زعم بعض المتأخّرين أنّ فاء جواب أمّا لا تحذف في غير الضرورة أصلا، و أنّ الجواب في الآية: فَذُوقُوا الْعَذابَ [آل عمران/ ١٠٦]، و الأصل فيقال لهم: ذوقوا، فحذف القول، و انتقلت الفاء للمقول، و إنّ ما بينهما اعتراض، و كذا قال في الآية الجاثية: أَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَ فَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ [الجاثية/ ٣١]، قال: أصله فيقال: ألم تكن آياتي، ثمّ حذف القول، و تأخّرت الفاء عن الهمزة.
تنبيه: لم يذكر المصنّف معنى التوكيد لأمّا، و قلّ من ذكره، و قد أثبته جماعة من المتأخّرين، و أحسن من قرّره الزمخشريّ، فإنّه قال: فائدة أمّا في الكلام أن تعطيه فضل توكيد، تقول: زيد ذاهب، فإذا قصدت توكيد ذلك، و أنّه لا محالة ذاهب، و أنّه بصدد الذهاب، و أنّه منه عزيمة، قلت: أمّا زيد فذاهب، و لذلك قال سيبويه في تفسيره: مهما يكن من شيء فزيد ذاهب، هذا التفسير مدلّ بفائدتين: بيان كونه توكيدا، و أنّه في معنى الشرط، انتهى.
[١] - هو للحارث بن خالد المخزومي، اللغة: العراض: جمع عرض بمعنى الناحية، المواكب: جمع موكب، بمعنى الجماعة ركبانا أو مشاة.