الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية - المدني، عليخان بن احمد - الصفحة ٥٣
فائدة علم النحو و موضوعه و تعريف الكلمة و اللفظ:
« فائدته حفظ اللسان عن الخطاء في المقال» أي في الكلام و الاستعانة على فهم كتاب اللّه تعالى و السّنّة و مسائل الفقه و مخاطبة العرب بعضهم بعضا. قيل: و من ثمّ كانت معرفته واجبة، لأنّ تعلّم الشرائع الواردة بلغة العرب لا يتمّ إلا به، و كلّ ما لا يتمّ الواجب المطلق إلا به فهو واجب.
ثمّ اللحن من أقبح الأشياء في الانسان، قال بعضهم: «لئن أقرأ فاسقط فأحبّ إلى من أن أقرأ فالحن» و كتب كاتب لأبي موسي الأشعري [١]، إلى عمر، من أبو موسى الأشعريّ، فكتب إليه عمر: عزمت عليك لما قنعت كاتبك سوطا. و ذكر أبو عبيدة [٢] أنّ هذا الكاتب هو حصين بن أبي الحرّ العنبريّ و أولاده ينكرون ذلك أشد الإنكار. و قال رجل لبنيه: يا بنيّ أصلحوا من ألسنتكم، فإنّ الرجل تنوبه النائبة، فيجب أن يتجمّل فيها، فيستعير من أخيه دابته و ثوبه، و لا يجد من يعيره لسانه، و للّه درّ من قال [من الكامل]:
٨- النحو يبسط من لسان الألكن
و المرء يكرمه إذا لم يلحن
فإذا طلبت من العلوم أجلّها
فأجلّها منه مقيم الألسن [٣]
« موضوعه» موضوع كلّ علم ما يبحث في ذلك العلم عن عوارضه الذاتيّة، و هي اللاحقة له أو لجزئه أو لغرض يساوي ذاته كالتعجّب اللاحق للذات لا بواسطة و كالحركة الإراديّة اللاحقة للإنسان بواسطة أنّه حيوان، و لا شك أنّه جزء الإنسان و كالضحك العارض للإنسان بواسطة التعجّب. «الكلمة و الكلام» هذا أحد الأقوال الثلاثة في موضوع علم النحو، فقد قيل: إنّ موضوعه الكلمة فقط، لأنّه إنّما يبحث فيه عن الإعراب و البناء و ما يتعلّق بهما، و لا ريب أنّ ذلك من الأحوال اللاحقة للكلمة، و أمّا الحكم على بعض الجمل بالإعراب المحليّ فلتتريلها مترلة المفرد و وقوعها موقعه، و قيل: إنّ موضوعه الكلام فقط، لأنّ الكلمة لعدم استقلالها و حدّها و عدم حسن السكوت عليها لا تقع في المحاورات إلا في ضمن الكلام، بل لا يظهر أثر الإعراب و البناء في آخرها إلا في ضمنه، لا سيّما عند من ذهب إلى أنّها قبل التركيب لا معربة و لا مبنيّة.
و قيل: موضوعه كلاهما، نظرا إلى كلا الوجهين. و قيل: بناء على تعارف القدماء إدراج الصرف تحت النحو و عليه، فكان على المصنّف أن لا يذكر إلا موضوع علم
[١] - الأشعري (أبو موسى) (ت ٤٤ ه/ ٦٦٥ م) صحابيّ، أحد الحكمين مع عمرو بن العاص في تحكيم بعد صفّين، المنجد في الأعلام ص ٥٠.
[٢] - هو أبو عبيدة معمر بن المثنّى ولد سنة ١١٠/ ٧٢٨ و من المرجّح جدّا أنّ مولده كان بالبصرة، و كان يعدّ من أجمع الناس علما بلغة العرب القدامي و تاريخهم. تاريخ التراث العربي، فؤاد سزگين ٨٠/ ١١١.
[٣] - لم أقف علي قائلهما.