الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية - المدني، عليخان بن احمد - الصفحة ٣١٥
الحال المقدّرة:
«و مقدّرة» و هي الّتي تكون بمعنى الاستقبال، بأن يكون زمان عاملها قبل زمانها، كقوله تعالى: فَادْخُلُوها خالِدِينَ [الزمر/ ٧٣]، أي مقدّرا خلودكم، لأنّ زمن الخلود لا يتصوّر مقارنته للدخول فلم يبق إلا تقديره، و قوله تعالى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَ مُقَصِّرِينَ [الفتح/ ٢٧]، أي مقدّرين للحقّ أو التقصير، لأنّ زمنهما متأخّر عن زمان الدّخول الّذي تضمّنه العامل في الحال، فلا تكون مقارنة له، و لا حاجة إلى جعل الحال الأولى في الآية، و هي آمنين مقدّرة، لأنّ الأمن و إن كان مستقبلا فهو قيد للدخول المستقبل، فيكون من الحال المقارنة لعاملها.
و توهّم الدمامينيّ في التحفة أنّ ابن هشام جعلها من الحال المقدّرة، فتعقّبه بما ذكرنا و ليس في كلامه ما يدلّ عليه، و قد منع بعض المتأخّرين كون محلّقين و مقصّرين في الآية من الحال المقدّرة أيضا، قال: لأنّها ليسا في معنى الاستقبال فيكونا مقدّرين، و إنّما هما في معنى الحال، و ذلك أنّ اللّه تعالى وعدهم دخول المسجد الحرام في حال تحليق و أمن و الدخول.
و إن كان بمعنى الاستقبال فإنّما هو واقع في حال الركوب، فالحال معه بمعنى الحال، و الحال إنّما تعتبر بالعامل فيها، فإن كان حدوثه في حال حدوثها، فهي بمعنى الحال، أو كان قبل حدوثها فهي بمعنى الاستقبال، أو بعده فهي بمعنى الماضي، و أيضا فإنّ الحال بمعنى الاستقبال، هي ما يصحّ تقديرها بالفعل و لام العلّة أعني لام كي، كقولك: مررت برجل معه صقر صاعدا به غدا، أي ليصيد به غدا، و كذا تقول: زيد رقي المنبر خاطبا، أي ليخطب، و منه قوله تعالى: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ [البقرة/ ٢١٣]، فهما حالان لمعنى الاستقبال، أي ليبشّروا و لينذروا، و لو قدّرت اللام في الآية الأولى كان خطأ، لأنّ اللّه تعالى لم يعدهم دخول البيت ليحلّقوا و ليقصّروا، بل وعدهم أنّهم يدخلون في حال تحليق و تقصير و أمن و غير خوف، فهي حال بمعنى الحال، و ليست كهي في قولك: مررت برجل معه صقر صائدا به غدا، أي استقّر معه صقر ليصيد به غدا، فاستقرار الصقر معه أنّما هو ليصيد به، انتهى، فتأمّل.
و سمّيت هذه الحال مقدّرة، لأنّ النّحويّين يقدّرون لها تقديرا يرجع فيه إلى معنى الحال، فإذا قلت: هذا زيد صائدا غدا، كانت الحال على هذا اللفظ بمعنى الاستقبال يدلّ عليه اقترانه بغد، و لمّا كان هذا عندهم لا يجوز، قالوا: هذه حال مقدّرة، و تقديرها أن
[١] - لا يتصف «ح».
[٢] - التحفة الشافية لشرح الكافية شرح على الكافية في النحو لابن الحاجب، كشف الظنون ٢/ ١٣٧٣.