الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية - المدني، عليخان بن احمد - الصفحة ٩١١
تعالى: لَوْ لا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ [النور/ ١٣] فَلَوْ لا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْباناً آلِهَةً [الأحقاف/ ٢٨]، و منه وَ لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ [النور/ ١٦]، إلا أنّ الفعل أخّر، و الأصل لو لا قلتم إذ سمعتموه، و قد يكون الفعل مضمرا مدلولا عليه ممّا بعده، نحو: لولا زيدا أكرمته، أو بما قبله كقوله [من الطويل]:
١٠٣١- تعدّون عقر النّيب أفصل مجدكم
بني ضوطرى لو لا الكميّ المقنّنعا [١]
أى لو لا عددتم، قال ابن هشام: و قول النحويّين: لولا تعدّون، مردود، إذ لم يرد أن يحضّهم على أن يعدّوا في المستقبل، بل المراد توبيخهم على ترك عدّه في الماضي، و إنّما قال: تعدّون، على حكاية الحال، فإن كان مراد النحويّين مثل ذلك فحسن.
الثالث: أن تكون «للتحضيض» بمهملة و معجمتين، « العرض» بفتح العين و إسكان الراء المهتملين، و الفرق بينهما أنّ التحضيض طلب بحثّ و إزعاج، و العرض طلب بلين و تأدّب «فتختصّ» بالدخول على الجملة الفعليّة المبدوّه «بالمضارع، و لو» كان «تأويلا»، أي مؤوّلا، فالتحضيض نحو قوله تعالى: لَوْ لا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ [النمل/ ٤٦]، أي استغفروه، و لا بدّ و مثله: لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ [الأنعام/ ٨]، فأنزل مؤوّل بالمضارع، أي يترل، و العرض نحو: لو لا تترل عندنا فتصيب خيرا، و مثله: لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ [المنافقون/ ١٠] فأخّرتني مؤوّل بالمضارع، أي تؤخّر، و إنّما اختصّت في ذلك بالفعليّة، لأنّها لطلب الفعل، و كذا إذا كانت للتوبيخ في الماضي، إذ لا يوبّخ على ترك شيء، إلا و هو مطلوب، فيكون للطلب مطلقا، فاشبهت لام الأمر، فاختصّت بالفعل، كما اختصّت لام الأمر به لكونها للطلب.
فإن قيل: طلب الفعل بعد مضيّ وقته مستحيل، فلا يكون فيها إذا وقع بعدها الماضي دلالة على الطلب. فالجواب أنّها لا تنفكّ عن إفادة معنى الطلب في الوقت الّذي كان صالحا، و إنّما أوقع بعدها الماضي تنبيها على أنّ المطلوب منه ذلك فوته حتّى انقضى وقته، فصار كالتوبيخ و اللوم على ترك المطلوب، و اقتضى اقتصار المصنّف في معاني لو لا على هذه الوجوه الثلاثة أنّها لا ترد لغيره.
قال الهرويّ [٢]: إنّها ترد للاستفهام، و حمل عليه قوله تعالى: لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ [المنافقون/ ١٠]، لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ [الأنعام/ ٨]، و نافية بمترلة لم، و جعل
[١] - هو لجرير من قصيدة له يهجو فيها الفرزدق. اللغة: العقر: مصدر قولك عقر النافة، أى ضرب قوائمها بالسيف، النيب: جمع ناب، و هي الناقة المسنة، الضوطرى: الرجل الضخم اللئيم الّذي لا غناء عنده، و الضوطرى أيضا: المرأة الحمقاء، الكميّ: الشجاع المنكمي في سلاحه: أي المستتر فيه. المقنعا: بصيغة اسم المفعول الذي على رأسه البيضة و المغفر.
[٢] - أبو الحسن علي بن محمد نحويّ أديب من أواخر القرن الرابع، أصله من هراة و سكن مصر، له الأزهية و الذخائر في النحو. مغني اللبيب ص ٣٦٢.