الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية - المدني، عليخان بن احمد - الصفحة ٨٨٣
بمعنى المضارع، فإنّه قال في شرح الشذور بعد إثباته: أنكر بعضهم هذا النوع، و فسّر أوّه و أفّ بتوجّعت و تضجّرت، و قال في غيره رادّا على من أنكر ذلك: مجيء اسم الفعل بمعنى المضارع محقّق، لا شكّ فيه.
و الحرفيّة ترد «حرف تقليل مع» الفعل «المضارع» المجرّد من ناصب و جازم و حرف تنفيس، و هو أعني التقليل ضربان: تقليل وقوع الفعل، نحو: قد يصدق الكذوب، و قد يعثر الجواد، و تقليل متعلّقه، نحو: قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ [النور/ ٦٤]، أي إنّ ما أنتم عليه هو أقلّ معلوماته، سبحانه، و زعم بعضهم أنّها في هذه الأمثلة و نحوها للتحقيق، و أنّ التقليل في المثالين الأوّلين لم يستفد من قد، بل من قولك: الجواد يعثر، و الكذوب يصدق، فإنّه إن لم يحمل على أنّ صدور ذلك منها قليل كان فاسدا، إذ آخر الكلام يناقض أوّله.
و حرف «تحقيق مع» الفعل «الماضي غالبا»، نحو: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها [الشمس/ ٩]، قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [المومنون/ ١]، و مع المضارع قليلا، كما مرّ أنّ بعضهم حمل عليه قوله تعالى: قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ، قال الزمخشريّ: دخلت قد لتوكيد العلم، و يرجع ذلك إلى توكيد الوعيد، و صرّح الرضيّ بأنّ قد إذا دخلت على الماضي أو المضارع فلا بدّ فيها من معنى التحقيق، ثمّ إنّه يضاف في بعض المواضع إليها معان أخر، إذا دخلت على الماضي أو المضارع.
«قيل: و قد تقرّبه» أي الماضي «من» زمان «الحال»، إن لم يكن حالا، و لذلك لا تدخل على نعم و بئس، لأنّها للحال، و لا معنى لتقريبه، تقول: قام زيد، فيحتمل الماضي القريب و البعيد، فإذا قلت: قد قام، اختصّ بالقريب، « من ثمّ» أي و من أجل أنّها تفيد تقريب الماضي من الحال «التزمت في» الجملة «الحالية المصدّرة به» أي بالماضي لفظا أو تقديرا عند جمهور البصريّين خلافا للأخفش و الكوفيّين كما مرّ، و ذلك لأنّ الحال تدلّ على حصول صفة مقارنة لما جعلت الحال قيدا له، و هو العامل الماضي لا مقارنة فيه للحال، فإذا كان مع قد، قرب منها، فحسن وقوعه حالا، هكذا قالوا، « فيه بحث مشهور».
و هو أنّ قد إنّما تقرّب الماضي من الحال بمعنى الزمان الحاضر الّذي هو زمان التكلّم لا بمعنى ما يبيّن كيفية الفعل، فإنّ الحال بهذا المعنى الّذي كلامنا فيه على حسب عاملها قد تكون ماضيا، و قد تكون حالا، و قد تكون مستقبلا كما لا يخفى، فما ذكروه غلط، نشأ من اشتراك لفظ الحال.