الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية - المدني، عليخان بن احمد - الصفحة ٨٧٧
لتراخي معطوفها، و الحقّ أنّها للسببيّة. قال ابن الحاجب: و فاء السببيّة لا تستلزم التعقيب بدليل صحّة قولك: إن يسلم زيد فهو يدخل الجنّة، و معلوم ما بينهما من المهلة، و التحقيق أنّها مستلزمة للتعقيب [١]
و قد مرّ أنّ التعقيب في كلّ شيء بحسبه، و هو بهذا المعنى متحقّق في الأية. نعم قد تأتي الفاء لمجرّد السببيّة و الربط لا غير، نحو: إن جئتني فأنا أكرمك، و حينئذ لا يلزمها التعقيب. و قول بعضهم و على هذا يحمل قول ابن الحاجب: إنّ الفاء السببيّة لا تستلزم التعقيب منظور فيه، فإنّه إنّما قال ذلك جوابا عن الأية حيث نقض بها قولهم: إنّ الفاء العاطفة للتعقيب من غير مهلة، فأجاب بأنّ الفاء فيها للسببيّة، و هى لا تستلزم التعقيب، فكيف يصحّ حمل إطلاقه على ذلك، فتدبّر.
و جعل صاحب البحر [٢]جملة: فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً معطوفة على جملة محذوفة قال: و إذا كان الاخضرار متأخّرا، فثمّ جمل محذوفة، أى فتهتزّ و تربو، يبيّن ذلك قوله تعالى: فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَ رَبَتْ [الحج/ ٥]، و في حاشية الشمنيّ على المغني: الظاهر أن تصحّ على حقيقة، فيكون الاخضرار في وقت الصباح من ليلة المطر، و يحتمل أن يكون بمعنى تصير، و لا يلزم ذلك، و الأوّل قول عكرمة [٣]، و هو موجود في مكّة و تهامة، و قال ابن عطية: و قد شاهدت في السوس الأقصى، نزل المطر ليلا بعد قحط، فأصبحت تلك الأرض الرملة الّتي نسفتها الرياح قد اخضرت بنبات ضيعف، انتهى.
« قد تختصّ» الفاء المذكورة «حينئذ» أى حين إذ أفادت ترتّب لاحقها على سابقها «باسم النتيجة و التفريع»، فتسمّي فاء النتيجة و فاء التفريع، و وجه التسمية ظاهر، و لا يختصّ ذلك بالعاطفة، بل فاء السببيّة مطلقا تسمّى بذلك، إذ لا تلازم بين السببيّة و العطف.
و قد تكون سببيّة، و هى غير عاطفة كما في الجزاء، و قد تأتي العاطفة جملة أو صفة لمجرّد الترتيب نحو: فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ* فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ [الذاريات/ ٢٧/ ٢٦]، لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ [ق/ ٢٢]، و نحو فَالزَّاجِراتِ زَجْراً* فَالتَّالِياتِ ذِكْراً [الصافات/ ٣ و ٢].
[١] - مستلزمة للتحقيق «ح».
[٢] - لعلّه الشيخ أبو عبد اللّه محمد بن يوسف المعروف بابن المنيرة المتوفّى سنة ٥٠٣، صاحب «بحر النحو» نقص فيه مسائل كثيرة على أصول النحاة. كشف الظنون ١/ ٢٢٧.
[٣] - أبو عبد اللّه عكرمه بن عبد اللّه، اجتهد ابن عباس في تعليمه القرآن و السنن، و هو أحد فقهاء مكّة و تابعيها، و توفّى سنة ١٠٧ ه. وفيات الأعيان ٣/ ٢٦٥.