الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية - المدني، عليخان بن احمد - الصفحة ٨٧٦
منه قوله تعالى: ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً المومنون/ ١٤]، فالفاءات في ذلك بمعنى ثمّ لتراخي معطوفها، و تارة بمعنى الواو كقوله [من الطويل]:
٩٨٠- ...
... بين الدخول فحومل [١]
و زعم الأصمعىّ أنّ الصواب روايته بالواو، لأنّه لا يجوز جلست بين زيد فعمرو، و أجيب بأنّ التقدير بين مواضع الدخول فمواضع حومل، كما يجوز جلست بين العلماء فالزهّاد، و قال بعض البغداديّين: الأصل ما بين، فحذف ما دون بين، كما عكس ذلك من قال [من البسيط]:
٩٨١- يا أحسن الناس ما قرنا إلى قدم
...
« و لا حبال محبّ واصل تصل»،
[٢]
أصله ما بين قرن، فحذف بينا و أقام قرنا مقامها، قال: و الفاء نائبة عن إلى، و صحّت إضافة ما بين إلى الدخول لاشتماله على مواضع، أو لأنّ التقدير بين مواضع الدخول. قال ابن هشام: و كون الفاء للغاية بمترلة إلى غريب، و قد يستأنس له عندي بمجيء عكسه في نحو قوله [من الطويل]:
٩٨٢- و أنت الّتي حبّبت شغبا إلى بدا
إلىّ و أوطاني بلاد سواهما [٣]
إذ المعنى شغبا فبدا، و هما موضعان، و يدلّ على إرادة الترتيب قوله بعده [من الطويل]:
٩٨٣- حللت بهذا حلّة ثمّ حلّة
بهذا فطاب الواديان كلاهما [٤]
و قال: هذا معنى غريب، لأنّي لم أر من ذكره.
« قد تفيد» أي الفاء العاطفة «ترتيب لاحقها» و هو المعطوف «على سابقها» و هو المعطوف عليه أي تسبّبه عنه، فتسمّي فاء السببيّة، و يغلب ذلك في العاطفة جملة أو صفة، فالأوّل نحو قوله تعالى: أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً [الحج/ ٦٣]، فإنّ إصباح الأرض مخضرّة مترتّب على إنزال الماء من السماء، و الثانى نحو قوله تعالى: لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ* فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ [الواقعة/ ٥٣ و ٥٢]، فإنّ ملأ البطون مترتّب على الأكل، و قيل: الفاء في الآية الأولى بمعنى ثمّ
[١] - تقدم برقم ٥٤٥ و ٩٧٩.
[٢] - تمامه
« لا حبال محبّ واصل تصل»،
و لم يسمّ قائله. اللغه: القرن: الخصلة من الشعر، الحبال: جمع حبل، و المراد العلاقة.
[٣] - هذا البيت ينسب لكثير عزّة و لجميل بثنية. اللغة: الشغب: اسم منهل بين مصر و الشام، بدا: موضع بين طريق مكة و الشام.
[٤] - اللغة: حللت: مخاطبة من الحلول بمعنى الترول، الواديان: تثنية الوادي بمعنى كلّ منفرج بين الجبال و التلال و الآكام.